Faculty of Environmental Agricultural Sciences
مرحبا ًزائرنا الكريم
هذه الرسالة تفيد إنك غير مشترك أو لم تسجل دخولك بعد
لاتنسي تسجيل دخولك حتي تتمكن من المشاركة
دخول

لقد نسيت كلمة السر

المواضيع الأخيرة
» تخطيط انشاء مصنع علف - انشاء مصنع علف - كايرو تريد لانشاء مصنع علف
الخميس مايو 30, 2013 8:13 am من طرف كايرو تريد

» تدفئه المزارع من كايرو تريد ( هياتر صيني و ايطالي ) ---
الأربعاء مايو 29, 2013 1:31 pm من طرف كايرو تريد

» مكبس العلف مستعمل cpm ---
الثلاثاء مايو 28, 2013 10:23 am من طرف كايرو تريد

» صناعه اعلاف المواشي و التسمين ---
الثلاثاء مايو 28, 2013 10:22 am من طرف كايرو تريد

» مكابس اعلاف المانية ---
الثلاثاء مايو 28, 2013 10:20 am من طرف كايرو تريد

» دايات مكابس بيلكو
الثلاثاء مايو 28, 2013 8:34 am من طرف كايرو تريد

» فلتر الهوء لمشاريع إنتاج العلف من كايرو تريد جروب
الإثنين مايو 27, 2013 5:39 pm من طرف كايرو تريد

» مطلوب مهندسين زراعيين لشركه دواجن كبري
الإثنين مايو 27, 2013 4:25 pm من طرف م.السيد عباده

» قطع غيار مصانع الاعلاف الصيني ---
الأحد مايو 26, 2013 1:45 pm من طرف كايرو تريد

أخبار المنتدى

اقرأ قوانين المنتدى قبل أن تضع مشاركاتك

لديك أي اقتراح بخصوص المنتدى

المناهج الدراسية

مرحبا ًبك يا
 زائر
إذا أردت إرسال رسالة
 للمديرين والمشرفين أضغط هنا

تم إضافة خاصية التبليغ
عن المشاركات
أضغط علي الصورة
في المشاركة لتبليغ مشرف القسم

أستمع لإذاعة راديو مصر

visitors
من كل دول العالم زوار منتدى علوم زراعية

رجل المستحيــــــــــــــل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رجل المستحيــــــــــــــل

مُساهمة من طرف MajedRayan في الثلاثاء يوليو 01, 2008 10:19 pm

رجـل المستحيــل
الجـزء الأول: الفكـرة






أدهم صبري.. ضابط مخابرات مصري في الخامسة والثلاثين من عمره، يرمز إليه بالرمز ن-1
حرف
النون، يعني أنه فئة نادرة، أما الرقم واحد، فيعني أنه الأوَّل من نوعه؛
هذا لأن أدهم صبري رجل من نوع خاص.. فهو يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة،
من المسدس إلى قاذفة القنابل.. وكل فنون القتال، من المصارعة وحتى
التايكوندو
هذا بالإضافة إلى إجادته التامة لست لغات حيَّة، وبراعته
الفائقة في استخدام أدوات التنكُّر والمكياج، وقيادة السيارات والطائرات،
وحتى الغواصات، إلى جانب مهارات أخرى متعدِّدة
لقد أجمع الكل على أنه
من المستحيل أن يجيد رجل واحد، في سن أدهم صبري، كل هذه المهارات.. ولكن
أدهم صبري حقَّق هذا المستحيل، واستحق عن جدارة ذلك اللقب، الذي أطلقته
عليه إدارة المخابرات الحربية، لقب رجل المستحيل

*******



خيَّم
صمت تام، على تلك البقعة من باريس، في تلك الساعة المتأخرة من الليل،
وأطلّ القمر بقرصه الفضي، من خلف برج إيفل الشهير، ليلقي أمامه ظلاً
هائلاً، امتزج بظل آخر يتحرَّك في خفة، بين مبنيين كبيرين، ليلتقي بآخر،
في زقاق ضيق، ويناوله حقيبة صغيرة، وهو يقول في عصبية هامسة: هذه هي كل
الأوراق.. أين المبلغ الذي اتفقنا عليه.
أجابه الآخر، في صرامة خشنة: سأراجعها أوَّلاً
تلفَّت الأوَّل حوله في عصبية، قبل أن يهمس: أسرع إذن
وبينما
يراجع الثاني الأوراق، ظهرت بضع ظلال أخرى، تتحرَّك في نشاط وسرعة،
وبمنتهى الخفة والحذر؛ لتحيط بالرجلين، على نحو دقيق مدروس، قبل أن يهمس
أحدهما: سنهاجم الآن
مع قوله، تحرَّكت الظلال كلها، مندفعة نحو الرجلين، من ثلاثة اتجاهات مختلفة، و
خيانة...
هتف
الرجل الثاني بالكلمة في غضب، واستل مسدساً ضخماً من حزامه، وصوَّبه نحو
الأوَّل، الذي اتسعت عيناه في رعب هائل، وتراجع هاتفاً: لا.. لست
ولكن
الثاني ضغط الزناد، فانطلقت من كاتم الصوت رصاصة صامتة، اخترقت منتصف جبهة
الأوَّل، الذي سقط جثة هامدة كالحجر، في نفس اللحظة التي هتف فيها أحد
المنقضين: استسلم وإلا
قبل أن يتم عبارته، استدار إليه حامل المسدس،
وأطلق نحوه عدة رصاصات، ثم اندفع محاولاً الفرار، بالحقيبة التي أحضرها
الأوَّل، ولكن أحد المنقضين أطلق نحوه رصاصاته، محاولاً تعطيله.. ولكن
الرجل وثب وثبة مدهشة، وتجاوز حافة الرصيف، وحاول أن يختفي في زقاق آخر،
فهتف منقض آخر: لو فر سنخسر كل شيء
وهنا، صوَّب الكل مسدساتهم نحو
الرجل الثاني، وعلى الرغم من كراهيتهم لإنهاء العملية على هذا النحو، لم
يجدوا أمامهم سوى إطلاق النار.. نحو الهدف مباشرة
كانت هناك حتمية لمنعه من الفرار بالحقيبة، مهما كان الثمن
وعلى الرغم من وثبته الماهرة، حصدته رصاصاتهم حصداً، وأصابته في مقتل، فهوى عند مدخل الزقاق، ويده مازالت تمسك بالحقيبة
وبقفزة
واحدة، بلغه أحدهم، وانحنى ينتزع الحقيبة من يده، في نفس اللحظة التي ظهرت
فيها سيارة شرطة فرنسية، لاحظ أحد ركابها ما يحدث، فهتف: ماذا تفعلون هناك؟
وفي
لحظة واحدة، تفرَّق الرجال كما انقضوا، وانطلقوا في اتجاهات مختلفة،
وذابوا وسط الظلام والظلال، فاندفع رجال دورية الشرطة خلفهم، محاولين
اقتناص أحدهم
ولكن الرجال اختفوا تماماً في المنطقة المحيطة، ولم يتركوا خلفهم سوى جثتين
جثتين من جنسيتين مختلفتين تماماً
*******
"خطأ.. ما حدث خطأ"
هتف
العميد صبري بالعبارة في غضب، وهو يدق سطح مكتبه بقبضته، فالتفت إليه
زميله حسن، وهو يقول في قلق: ما الخطأ بالضبط يا صبري.. لقد استعدنا
الوثائق السرية، ولم نخسر سوى ذلك الخائن، وأمكننا كلنا العودة إلى مصر في
أمان
قال صبري في مرارة: لم يكن ينبغي أن يتم الأمر على هذا النحو..
صحيح أننا استعدنا الوثائق، ولكننا لم نعرف من وراء هذا الفعل بالضبط..
لقد اضطررنا لقتل جاسوس العدو، ولقي الخائن مصرعه أثناء العملية، وكل هذا
لأننا كنا أكثر مما ينبغي
غمغم حسن: كنا ثلاثة أفراد فحسب
لوَّح
صبري بذراعه، هاتفاً: ثلاثة أفراد لمواجهة رجلين.. حسبة فاشلة وخاسرة يا
رجل.. كنا ثلاثة، لأن وليد لا يجيد الفرنسية، وأنت لا تعدو بسرعة مناسبة،
وأنا الوحيد الذي يمكنه معرفة جواسيس الأعداء
هزَّ حسن كتفيه، قائلاً: لا تنسَ أننا جهاز مخابرات وليد، ومهاراتنا لم تكتمل بعد
هتف
صبري: وهذا أكبر خطأ.. كان كلاهما من الرعيل الأوَّل لرجال المخابرات،
الذين أسسوا المخابرات العامة، وكلاهما يسعيان لاكتساب كل المهارات
والخبرات اللازمة؛ لمواجهة أجهزة المخابرات العدوة، التي تتحرَّك بمنتهى
الشراسة والعنف، لوأد رجال الثورة، الذين أشعلوا فتيل حماس للحرية، في
منطقة الشرق الأوسط كلها
وفي محاولة لتهدئة الأمور، غمغم حسن: لست أدري أين يكمن الخطأ بالضبط؟
أجابه صبري في حزم: الخطأ في أن كلا منا يلم بمهارتين على الأكثر، ويعتمد على الآخرين، في باقي المهارات والخبرات
قال
حسن في حيرة: هذا أمر طبيعي؛ فاكتساب مهارة واحدة يحتاج إلى زمن طويل
للغاية، وليس من الممكن أن يكتسب شخص في عمرنا أكثر من مهارتين أو ثلاثة،
لو كان موهوباً
أشار صبري بسبَّابته، قائلاً: هذا لأننا نبدأ تدريباتنا في سن متأخرة
ضحك حسن في توتر، وهو يقول: سن متأخرة؟!.. إننا نبدأ تدريباتنا فور التحاقنا بالكلية الحربية يا رجل.. من يمكنه أن يفعل أفضل من هذا؟
بدا صبري شارداً، وهو يغمغم: ولكن هذا لا يكفي.. من الواضح أنه لا يكفي
تطلَّع إليه حسن بضع لحظات في صمت، قبل أن يميل نحوه، متسائلاً: صبري.. فيم تفكِّر بالضبط؟
بدا صبري أكثر شروداً، وهو يجيب: في أن الأمر يحتاج إلى تطوير.. تطوير كبير
ولم يناقشه حسن فيما يدور في ذهنه، وإن أصبح واثقاً من أن زميله يبحث عن فكرة ما
فكرة مجنونة..
تماماً..
*******



"وجدتها"
هتف
صبري بالعبارة في حماس، وهو يندفع داخل مكتب حسن، الذي رفع عينيه إليه في
هدوء، لا يتناسب مع الموقف، وسأله: ما التي وجدتها يا أرشميدس زمانك؟
أجابه صبري بنفس الحماس: الفكرة التي كنت أبحث عنها
تراجع حسن في مقعده، متسائلاً، في شيء من الحذر: أية فكرة؟
جذب صبري مقعداً، وجلس إلى جواره، قائلا في انفعال واضح جارف: فكرة إنتاج رجل المخابرات المثالي
لم يسترجع عقل حسن الأمر على الفور، لذا فقد قال، وقد تضاعف حذره: لو أن لديك فكرة تتناسب مع ما طالب به المدير الجديد، فيمكنك أن
قاطعه صبري بحماسة: المدير الجديد طلب منا البحث عن وسائل لتطوير أداء الجهاز، ولكن فكرتي تعتمد على تطوير رجل المخابرات نفسه
هزَّ حسن كتفيه، وقال: يبدو لي الأمران متقارنين
هتف صبري: كلا.. لأن فكرتي لا يصلح تنفيذها على أي رجل مخابرات، ممن يعملون في الجهاز، أو حتى ممن تم ترشيحهم للعمل فيه
تضاعفت دهشة حسن، وهو يقول: ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟
أجابه في حماس: قل لي أنت أوَّلاً: ما العقبة التي تحدثنا عنها، عندما طرحت عليك فكرة رجل المخابرات، الذي يجيد كل المهارات الممكنة؟
أجابه
حسن، فور انتهاء كلماته: إنه لن يجد الوقت الكافي لبلوغ ما تأمله، وإذا ما
نجح، واكتسب كل ما تحلم به من مهارات، سيكون عمره قد بلغ مرحلة، يعجز فيها
جسده عن طاقة قدراته، مع تقدمه في العمر.. باختصار، لا يمكنك منطقياً أن
توازن بين الخبرة والقوة، مهما فعلت
أشار صبري بسبَّابته، قائلاً: إلا لو بدأنا تدريباته في سن مبكرة
هزَّ
حسن رأسه، قائلاً: أي سن مبكرة؟!.. التدريبات التي تتحدث عنها، والخبرات
التي تنشدها، بالمستويات المطلوبة، لا يمكن أن يكتسبها شخص مثابر، إلا بعد
عقدين من الزمان، على الأقل، وعبر تدريبات شاقة لا تنقطع، فلو افترضنا حتى
أنه بدأ تدريباته هذه في العشرينات من عمره، فسيبلغ الأربعين، قبل أن
يمكنه الاستفادة منها، وفي عالمنا، يبدو لي هذا سن تقاعد، لا سن انطلاق
بدت ابتسامة صبري غامضة، وهو يقول: وماذا لو بدأ في العاشرة؟
غمغم حسن، مندهشاً ومستنكراً: العاشرة؟!.. ألا تعتقد أن
قاطعه صبري، في حماس متزايد: وماذا عن الخامسة؟
اتسعت عينا حسن عن آخرهما، قبل أن يهز رأسه في عنف، قائلاً: صبري.. لو أن لديك وقتا للمزاح، فوقتي اليوم لا يسمح بـ
قاطعه صبري في حسم: الواقع أنني أجد أن الثالثة سن مناسبة أكثر
حدَّق حسن فيه باستنكار شديد، وهتف: صبري
أضاف صبري في سرعة، قبل أن يمنحه فرصة التعليق: ولتفادي الجدل، فأنا جاد تماماً
هتف حسن في حدة: الجدل؟!.. ومن سيجادل مجنوناً مثلك؟! إنك تتحدَّث عن إعداد طفل مخابرات، لا رجل مخابرات
أجابه
صبري: على العكس تماماً.. إنني أتكلم عن إعداد رجل مخابرات فائق، لا يشق
له غبار، في عالمنا شديد التعقيد هذا، ولقد درست الأمر جيداً، ووجدت أن
إعداده لابد وأن يبدأ مع سنوات عمره الأولى
اتسعت عينا حسن عن آخرهما، وهو يغمغم: رباه!.. إنك جاد بالفعل
ثم
اندفع يستدرك في عصبية: ولكنك لم تفكِّر جيداً، كيف يمكنك أن تدرِّب
طفلاً، تعلَّم السير بالكاد، ولم ينطق جملة متكاملة بعد، على مهارات ينبغي
أن يكتسبها رجل مخابرات
أجابه في سرعة وحماس: باللعب
تراجع مصعوقاً،
وهو يحدِّق فيه، فتابع بنفس الحماس: مجموعة من الألعاب، يتم وضعها
وترتيبها بعناية بالغة، بحيث تبدو ظاهرياً ممتعة للطفل، ولكنها تكسبه
مهارات أساسية، في سنوات عمره الأول، التي يكون فيها أشبه بالإسفنج الجاف،
الذي يمتص في شراهة كل ما يلقى عليه.. والأطفال يكتسبون المهارات في سرعة
ويسر، وخاصة مع برنامج تدريبي علمي ومتدرِّج، بحيث تتطوَّر المهارات
والخبرات، مع كل عام يمضي
حدَّق حسن فيه ذاهلاً، وهو يتمتم: وهل يمكنك أن تدربه على القتال، والتحدُّث بلغات مختلفة، و
قاطعه
صبري متحمساً: والرماية، وركوب الخيل، وقيادة المركبات.. إنني أتحدَّث عن
سنوات عديدة يا رجل، وسيدهشك كم يمكن أن يكتسب الجسد البشري، إذا ما تم
إعداده على نحو جيد مدروس
غمغم حسن، وهو يفكِّر في عمق: أنا أعلم هذا
قال صبري: أراهنك أنه سيصبح تحفة فريدة، قبل أن يبلغ العاشرة من عمره
انعقد حاجبا حسن، وهو يقول: ولكن فكرتك تحوي ثغرة يا صبري.. ثغرة كبيرة جداً
واستمع إليه صبري
وكان على حق..
الفكرة تحوي ثغرة..
هائلة
*******



تراجع
مدير المخابرات العامة في مقعده في بطء، وهو يتطلَّع إلى صبري، قبل أن
يقول: لقد طالعت تقريرك مرتين يا صبري، ولكن الفكرة تبدو لي مبالغة بعض
الشيء، وإن كنت أعترف بأنها مبتكرة
هزَّ صبري رأسه، قائلاً: ليست
مبتكرة تماماً، فقد اقتبستها من المخابرات السوفيتية، أو بمعنى أصح، من
الثورة البلشفية، فعند اندلاعها، تم اعتقال الآلاف من معارضيها، وكوسيلة
انتقامية منهم، حشدوا أطفالهم في مدارس خاصة، أطلقوا عليها اسم مدارس
الكي. جي. بي، مهمتها أن تنشئهم على نفس المبادئ، التي يعتنقها ذويهم،
ولقد أسفر هذا عن جيل شديد الولاء للمبادئ الشيوعية؛ لأنه تعلمها منذ
نعومة أظافره
قال المدير مشيراً بيده: الأمران يبدوان لي مختلفين تماماً
قال
صبري في حماس: كلا في الواقع يا سيِّدي، فكل ما فعلته هو أن طوَّرت
الفكرة، في إطار مختلف، فبدلاً من تلقين المبادئ الشيوعية للصغار، سندربهم
على أعمال المخابرات، وسنصنع منهم أعظم رجال مخابرات في المستقبل
قال المدير في حزم: ولكن هذا يتعارض مع طفولتهم، ويحرمهم من أجمل سنوات عمرهم
هزَّ
صبري رأسه مرة أخرى في قوة، وهو يقول: لن يشعروا بأي حرمان يا سيادة
المدير، بل على العكس تماماً، سيبدو لهم كل شيء أشبه بلعبة طريفة، ومسابقة
ممتعة، وسيكتسبون المهارات المختلفة، وكل الخبرات المطلوبة، في سنوات
نموهم الأولى
قال المدير بنفس الحزم: وسيحرمون من الاختيار أيضاً، بعد أن حددنا لهم مستقبلهم، منذ نعومة أظافرهم
هتف صبري: سيصبحون أعظم رجال مخابرات
هتف المدير بدوره: على الرغم منهم
زفر
صبري في توتر، فأضاف المدير في صرامة: ثم من ذا الذي يمنحك ابنه، لتصنع
منه هذا؟!.. أي أب هذا، الذي يمكن أن ينشئ ابنه، من أجل عالم لا يهدأ أو
ينام أبداً؟
استعاد صبري حماسته، وهو يجيب: لا أحد.. ولن نطالب أحداً بهذا.. سنستعين بأطفال دور الأيتام
ارتفع
حاجبا المدير، في دهشة مستنكرة، قبل أن يقول: لا يعني كونهم أيتاماً أنه
لا يوجد من يرعاهم، أو يهتم بشأنهم.. هناك مؤسسات عديدة ستعارض هذا بشدة
ثم تراجع في مقعده، وأضاف بمنتهى الحزم: لقد كان حسن على حق.. هناك ثغرة ضخمة في نظريتك
قال صبري في توتر: ولكن النتائج
قاطعه
المدير في صرامة: بلوغ الغايات لا يبرِّر سوء الوسائل يا صبري.. لو أقررنا
هذا المبدأ ستفسد الدنيا كلها، بحجة الإصلاح، ولا تنسى أن الطريق إلى
الجحيم، مفروش دوماً بالنوايا الطيبة
ارتسم يأس عصبي على وجه صبري، وهو يتراجع، مغمغماً: أيعني هذا أن
قاطعه المدير مرة أخرى في صرامة: نعم.. الفكرة مرفوضة تماماً
نطقها في حزم وصرامة، فتفجَّرت في أعماق صبري مرارة
مرارة بلا حدود..
*******
"كنت أعلم هذا"
نطق
حسن العبارة في أسى، وهو يربت على كتف صبري، الذي جلس خلف مكتبه واجماً،
فتابع حسن: لم يكن من الممكن أبداً أن يوافقوا على فكرة كهذه.. ليس لأنها
فكرة سيئة، ولكن لأنها تسبق زماننا بكثير يا رجل.. ألا تعرف الحكمة التي
تقول: ويل لمن سبق عقله زمانه
أدار صبري عينيه إليه في صمت، استغرق نصف دقيقة، قبل أن يقول في خفوت: أظنهم خسروا فرصة نادرة
ربَت حسن على كتفه مرة أخرى، وقال: أنا واثق من هذا.. ولكنهم لن يدركوا أبداً ما فقدوه
قال صبري في حزم: سيدركونه، لو قدمنا لهم نموذجاً واحداً
هزَّ حسن رأسه، قائلاً: ومن أين لنا بهذا؟!.. هل تتصوَّر أن أي مخلوق يمكن أن يضع ابنه، في تجربة كهذه
هتف
صبري في انفعال: ألا تدرك ما سيصبح عليه ذلك الابن؟!.. أراهنك أنه سيصبح
حالة فريدة في عالم المخابرات.. وربما في عالم الأرقام القياسية أيضاً
قال حسن: ربما، ولكن هذا حتماً سيحرمه الكثير.. والكثير جداً.. وأي أب سيفكر في هذا، وسيفضِّل أن يحظى ابنه بحياة عادية
ثم مال نحوه، وواجهه مباشرة، وهو يكمل: أنت شخصياً، حاول أن تسأل نفسك.. هل يمكن أن تعرِّض ابنك لهذا؟
اتسعت عينا صبري، وهو يحدِّق فيه، فتابع في حزم: هل رأيت كيف أفزعتك الفكرة؟
تألَّقت عينا صبري، على نحو عجيب، وهو يقول: وماذا لو أنها لم تفزعني؟
هتف حسن: في هذه الحالة
استوقفه صبري بإشارة صارمة من يده، قبل أن يكمل عبارته، وغمغم في انفعال عجيب: كفى.. لا أريد أن أسمع كلمة أخرى
ثم تراجع في مقعده، وشرد بصره على نحو عجيب، وهو يضيف: أريد أن أفكِّر
كان لدى حسن الكثير ليقوله، إلا أنه احترم موقفه، ولاذ بالصمت، وتركه يفكِّر..
ويفكِّر..
ويفكِّر..
بمنتهى العمق..
*******



"أبي.. لماذا تحدِّق فينا هكذا؟"
ألقى
أحمد الصغير السؤال في براءة، وهو يندس بين ساقي والده الذي ربت على رأسه
في حنان، وهو يقول: لا شيء يا صغيري.. إنها فكرة تجول في رأسي، بشأنك أنت
وشقيقك الأصغر أدهم

هتف أحمد في مرح: هل سنذهب لزيادة جدنا؟
حاول صبري أن يبتسم، وهو يغمغم: ليس اليوم يا صغيري.. ليس اليوم بالتأكيد
نطقها، وهو يتابع لهو صغيره أدهم، الذي تجاوز الثالثة من عمره بالكاد، وانهمك في محاولة تفكيك لعبة ذات زنبرك، في أحد أركان الحجرة
وفي تلقائية بريئة، تسلَّق أحمد ساقيه، وجلس على ركبتيه، وتساءل: أين سنذهب إذن؟
ضمه
صبري إليه، وهو يواصل التفكير، في ذلك الأمر الجنوني، الذي سيطر على كيانه
كله، وراح يراقب أدهم، الذي حوَّل اللعبة إلى قطع صغيرة، ثم راح يحاول
إعادة تركيبها، في اهتمام بالغ، لا يتناسب مع سنوات عمره الثلاث

ثم فجأة، اتخذ صبري قراره
حزم مفاجئ سرى في كيانه، وجعله يسأل صغيره أحمد في اهتمام بالغ: ما رأيك في لعبة جديدة؟
صفق أحمد بكفّيه في جذل، وهو يقول: لعبة جديدة؟!.. هل ستحضر لي لعبة جديدة؟
أجابه في لهفة: لن نحضرها، وإنما سنمارسها معاً
ثم رفع عينيه إلى أدهم، وقال في حماس: أدهم.. تعال يا صغيري.. ستشاركني أنت وأخوك لعبة جديدة
نهض
أدهم الصغير في حماسة، وأسرع إلى والده في فرح، فضمه إليه في حنان وحميّة،
وهو يقول: سنبدأ معاً مجموعة من الألعاب الجديدة الممتعة.. ألعاب ستغير
مجرى حياتكما إلى الأبد

وكانت هذه هي البداية
الفعلية..
*******
يـ تـ بـ ـع..
-د.نبيـل فـاروق


عدل سابقا من قبل MajedRayan في السبت أغسطس 23, 2008 2:57 pm عدل 1 مرات

_________________



...


إن إحتجت أي مساعدة يا زائر
قم بمراسلتي فورا ً
هذه رسالة تظهر لكل عضو بإسمه
e-mail: MajedRayan87 [at] yahoo [dot] com


israel

avatar
MajedRayan
Admin
Admin

عدد الرسائل : 2548
العمر : 29
الموقع : http://www.majedrayan.co.cc
العمل : IT Junior
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : القاهرة
تاريخ التسجيل : 04/05/2008

http://www.majedrayan.co.cc

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رجل المستحيــــــــــــــل

مُساهمة من طرف The Knight في الأربعاء يوليو 02, 2008 12:35 pm

الله ينور عليك يا ماجد
مستني باقى المشاركات بشغف حقيقي
تسلم ايدك
avatar
The Knight
زراعى فعال
زراعى فعال

عدد الرسائل : 172
العمر : 29
الموقع : ارض الله واسعة
العمل : مهندس زراعي قيد التنفيذ
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رجل المستحيــــــــــــــل

مُساهمة من طرف malak_el7ob في الأربعاء يوليو 02, 2008 1:46 pm

ميرسي ليك يا ماجد علي القصه دي
وانا بحب ادهم صبري وبحب قصصه جداااا
وبالذات قصص الزهور ليه جميله قوي
تقبل مروري
avatar
malak_el7ob
زراعـــي سوبر
زراعـــي سوبر

عدد الرسائل : 591
العمر : 26
العمل : طالبة
العمل أو الفرقة : الثانية
مكان الإقامة : في دنيا انتهى فيها الحب
تاريخ التسجيل : 04/05/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رجل المستحيــــــــــــــل

مُساهمة من طرف MajedRayan في الخميس يوليو 03, 2008 4:29 pm

شكرا ًعلي ردودكم يا جماعة
أنتظروا الأجزاء القادمة

_________________



...


إن إحتجت أي مساعدة يا زائر
قم بمراسلتي فورا ً
هذه رسالة تظهر لكل عضو بإسمه
e-mail: MajedRayan87 [at] yahoo [dot] com


israel

avatar
MajedRayan
Admin
Admin

عدد الرسائل : 2548
العمر : 29
الموقع : http://www.majedrayan.co.cc
العمل : IT Junior
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : القاهرة
تاريخ التسجيل : 04/05/2008

http://www.majedrayan.co.cc

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجزء الثاني

مُساهمة من طرف MajedRayan في الخميس يوليو 03, 2008 4:31 pm

الجزء الثاني: نمــوّ




بدا حسن شديد العصبية والتوتر، على غير المألوف، وهو يقتحم مكتب صبري، قائلاً في حدة: ما الذي فعلته بالضبط؟
رفع صبري عينيه إليه في هدوء، وهو يتساءل: قل لي أنت: ما الذي تتصوَّر أنني فعلته؟
جذب حسن مقعداً بحركة حادة، ليجلس أمام مكتبه، قائلاً: ما الذي فعلته بولديك؟
تراجع
صبري في مقعده في بطء، متسائلاً: وما هو؟!.. إنني أفعل كل ما يفعله أي أب
لأبنائه.. أربيهم، وأرعاهم، وأحرص على أن يتفوقوا في دراستهم، و
قاطعه حسن محتداً: وماذا عن تلك الألعاب؟
سأله صبري بنفس الهدوء: ماذا عنها؟
مال حسن نحوه، حتى كاد وجهاهما يلتصقان، وهو يقول في توتر: صبري.. إنك تجري عليهما تجربتك.. أليس كذلك؟
صمت صبري بضع لحظات، وهو يتطلَّع إليه مباشرة، قبل أن يقول في بطء حذر: وماذا لو افترضنا أنني أفعل؟
تراجع
حسن بحركة حادة، ولوَّح بيده كلها في الهواء، وهو يقول: أنا واثق من أنك
تفعل.. لقد أتيا أمس إلى عيد ميلاد ابني، وكانت المهارات التي اكتسباها
واضحة.. حتى أدهم، الذي لم يتجاوز السادسة، كان يتصرَّف في رصانة، كما لو
أنه رجل كبير
سأله صبري، في حذر أكثر: ولماذا يضايقك هذا؟
أجابه في عصبية: لقد دمرتَ طفولتهما.. أفسدت عليهما أجمل سنوات عمرهما.. كل ما يشغل ذهنك هو تجربتك، والنتائج التي تتوقعها منها
أجابه صبري في حزم: لو تحققت النتائج التي أنشدها، سيتغيَّر وجه عالم المخابرات إلى الأبد
هتف حسن: وسيكون ولداك هما ضحية هذا
رمقه
صبري بنظرة صامتة طويلة، ثم نهض من خلف مكتبه، واتجه نحو النافذة، يتطلَّع
عبرها بعض الوقت، قبل أن يقول، في لهجة امتزج فيها حزمه بلوعته: هل تعرف
ما الذي اكتسبه كل منهما، في السنوات الثلاث الماضية؟!.. أحمد تفوَّق في
دراسته على نحو ملحوظ، ويمكنه الآن أن يجري تجارب كيميائية، بمهارة تقارب
من يفوقونه عمراً بعشر سنوات على الأقل، وتفوَّق في دراسته، على كل
أقرانه.. وأدهم.. أدهم لم يبلغ السادسة بعد، ولكنه يتحدَّث الإنجليزية،
وبعض الفرنسية، وسرعة استجابته
قاطعه حسن في حدة: وماذا عن طفولتهما؟!.. هل تمتّعا بها؟!.. هل أمكنهما أن يركبا أرجوحة، أو يلهوان ببالون، أو
جاء دور صبري ليقاطعه، وهو يقول: ربما لم يفعلا هذا، ولكنني منحتهما أنواعاً أخرى من الألعاب، ووسائل اللهو
قال
حسن: وهذا ما يقلقني.. إنهما لا يفكران أو يلهوان، مثل أي طفل في عمرهما..
حتى ألعابهما تختلف.. ابنك أدهم انشغل بتقليد أسلوب كل الحاضرين وأصواتهم،
بدلاً من أن يلهو مع من في مثل سنه
تنهَّد صبري، مغمغماً: إنه موهوب في هذا المضمار
صاح حسن: موهوب؟!.. إنه طفل فقد براءته.. ما الذي تتوقعه منه، بعد عشرة أعوام من الآن.. هل سيتحوَّل إلى محتال عالمي؟
هزَّ
صبري كتفيه ورأسه، قائلاً: لست أدري ما الذي سيصبح عليه أدهم، عندما يبلغ
السادسة عشرة من عمره، ولكنه حتماً سيكون مختلفاً عن كل من حوله
شدَّ حسن قامته، متسائلاً: اختلاف إيجابي أم سلبي؟


استدار صبري يواجهه، قائلاً في حزم: من يدري؟
تطلَّع إليه حسن لحظات، في صرامة صامتة، قبل أن يقول: نعم.. من يدري؟
واندفع يغادر المكان كله، في حدة ساخطة
وبقى صبري وحده، يلوذ بالصمت بضع لحظات، قبل أن يعود مرة أخرى إلى النافذة، مغمغماً في تكرار: من يدري؟
ولكن الواقع أن الفكرة كانت تعذبه
وبشدة
فكرة أنه بتجربته قد حرم ولديه طفولتهما، ودفع بهما إلى مصير لا يعلمه إلا الخالق عزَّ وجلَّ
مصير قد يقلب حياتهما ومستقبلهما رأساً على عقب
وإلى الأبد..
*******

"أدهم.."
استدار أدهم في اهتمام، استجابة لنداء والده، الذي أشار، قائلاً: حان وقت تنظيف مسدسي
ابتسم الصبى، الذي قارب الخامسة عشرة من عمره، وهو يقول في حماس: فوراً يا أبي
ناوله صبري مسدسه، وتراجع في مقعده، يراقبه في صمت، وهو يستعيد ذكرياته
سنوات عديدة مضت، منذ بدأ تجربته مع ولديه
سنوات شاقة، بذل خلالها جهداً خرافياً؛ ليواصل التجربة، التي بدت للجميع جنونية
سنوات أسفرت عن الكثير
والكثير جداً
لقد نمت خبرات ولديه، واكتسبا مهارات شتى، وقدرات لا يمكن أن يحظى بها من في مثل عمرهما
ولكن أدهم وحده تفوَّق، على نحو ملحوظ
ميول
أحمد العلمية، جعلته يتفوَّق فقط في الشكل العقلي من التدريبات، وبنيته
الضعيفة منعته من مواصلة التدريبات البدنية، ولعبة اكتساب المهارات
أما أدهم، فقد تحوَّل إلى تلك الصورة، التي كان يحلم بها هو، منذ بداية الأمر
ففي
السنوات العشر الأخيرة، تضاعفت قدرته على التقُّمص عدة مرات، وصار قادراً
على تقليد من يشاء، بدقة تثير الدهشة والإعجاب، وتفوَّق في رياضات الدفاع
عن النفس، واكتسب لغات شتى، يتحدثها بطلاقة، وبلكنات أهلها، على الرغم من
أنه لم يبلغ الخامسة عشرة بعد
وعبر برنامج خاص دقيق، تعرَّف على معظم أنواع الأسلحة، وألف التعامل معها، و
قاطعه فجأة رنين جرس الباب، فهم بالنهوض من مكانه، إلا أن أدهم وثب بسرعة، قائلاً: سأفتح أنا الباب
بوثبة واحدة رشيقة، بلغ باب المنزل، وفتحه وهو يبتسم، قائلاً في ترحاب: أهلاً بعمي حسن
ارتفع حاجبا حسن في دهشة، وهو يقول: عجباً.. كيف تعرفتني، قبل حتى أن تفتح الباب يا أدهم
أفسح
له أدهم طريق الدخول، وهو يجيب: لقد سمعت وقع قدميك، وأنت تصعد السلم،
وبسبب إصابة ساقك، فلك وقع مميَّز، ثم أن أسلوبك في الرنين، يعتمد دوماً
على أن تضغط الزر مرتين متتاليتين سريعتين، على عكس عمى صابر..، الذي
قاطعه حسن ضاحكاً: كفى يا أدهم.. لا داعي لأن تبهرني أكثر
نهض صبري يستقبله، مغمغماً: إنه موهوب.. أليس كذلك؟
أشار حسن بيده، قائلاً: لا يمكنني الإنكار
كان أدهم قد استعاد مسدس والده، فسأله حسن في قلق: ماذا تفعل بهذا المسدس يا أدهم؟
أجابه صبري في هدوء: إنه يتولى مهمة تنظيفه
أشار حسن بيده محذراً: احترس إذن، فالتعامل مع الأسلحة ليس
وبتر عبارته دفعة واحدة، وقد اتسعت عيناه عن آخرهما
فما فعله أدهم في اللحظة التالية، كان مدهشاً
إلى حد كبير
*******


لم
يكد أدهم يلتقط المسدس، الذي طلب منه والده تنظيفه، حتى تحرَّكت يداه
بسرعة مدهشة، ليفك أجزاءه كلها، ويرصها إلى جوار بعضها البعض وفي انبهار،
هتف حسن: مدهش.. لقد فكَّ أجزاء المسدس، في وقت قياسي بالفعل
ابتسم صبري ابتسامة هادئة، وهو يقول: إنه يفعل هذا طوال الوقت
هتف حسن: بهذه السرعة؟
أشار بيده، قائلاً: لقد تفوَّق على نحو ملحوظ، في تدريبات زيادة سرعة الاستجابة
مطَّ حسن شفتيه، مغمغماً: مدهش
ثم استطرد في حزم: ولكن فك أجزاء المسدس ليس بالأمر الصعب.. المهم كما تعلمنا، هو إعادة تركيبه
هزَّ صبري رأسه، قائلاً: صدقني
ثم أشار إلى ابنه، مضيفاً في حزم: أدهم
وبنفس السرعة، تحرَّكت يدا أدهم
ثلاثون ثانية فحسب، وعاد المسدس كما كان
وبمنتهى الدهشة والانبهار، هتف حسن: هذا هو المدهش بحق
ثم ربَّت على كتف أدهم، قائلاً: يبدو أنك ستثبت أنني كنت على خطأ، في خلافي مع والدك
تساءل أدهم في اهتمام: فيم؟
لم
يحاول أحدهما إجابة سؤاله، وإنما قال صبري في خفوت: تستطيع أن تقول: إنك
كنت على حق، في نصف الأمر، وكنت أنا على حق، في نصفه الآخر.. لقد نجحت
التجربة تماماً مع أدهم، ولم تنجح قط مع أحمد
تلفَّت حسن حوله، قائلاً: بالمناسبة.. أين أحمد؟
أجابه
صبري بابتسامة باهتة: يستذكر دروسه، استعداداً لامتحان الثانوية العامة،
ولكنه سيأتي بعد قليل، ليحيي معنا الذكرى السنوية لوفاة والدتهما
تنهَّد حسن، وهو يغمغم: وهذا ما أتيت من أجله
كان أدهم ينقل بصره بينهما في صمت، وهو يعيد فك أجزاء المسدس وتنظيفها، فأشار إليه والده، قائلا: أخبر أخاك أن موعد قدومه قد حان
نهض
أدهم لتنفيذ ما طلبه منه والده، فمال حسن نحو صبري، وقال في خفوت حذر: أنت
تعلم مثلي أن كل ما اكتسبه ابنك مهارات جانبية فحسب، ومازال يفتقر إلى
المهارات الأساسية، في عالمنا الخاص
غمغم صبري: أعلم هذا
ثم نهض من
مقعده، وأضاف وهو يتحرَّك في المكان، في شيء ملحوظ من التوتر: ولهذا لابد
وأن أنتقل معه إلى مرحلة جديدة، من برنامج التدريب
تراجع حسن في مقعده، متسائلاً: أية مرحلة؟
التقط صبري نفساً عميقاً، وبدا وكأنه قد شدا ببصره بضع لحظات، قبل أن يجيب: مرحلة التدريب الميداني
ارتفع
حاجبا حسن في دهشة، وهو يقول مستنكراً: تدريب ميداني؟!.. في هذه السن؟!..
المفترض ألا يتم هذا، إلا بالنسبة للعملاء، في مرحلة متقدمة
هزَّ صبري
رأسه في حزم، قائلاً: أدهم يتقدَّم في برنامجه بسرعة، على نحو يفوق كل ما
خططت له مسبقاً، وعلى عكس شقيقه، يبدو شديد الشغف والاهتمام بكل ما
يتعلمه، وفي رأيي أن الوقت قد حان لخروجه إلى الميدان
غمغم حسن في قلق: أظن هذا مبكراً، أكثر مما ينبغي
قال صبري: ولكن الظروف مواتية تماماً لهذا.. لقد بلغك بالتأكيد أمر انتدابي المؤقت، في سفارتنا في موسكو، و
قاطعه
حسن، هاتفاً: موسكو؟!.. هل تفكِّر في اصطحابه معك إلى العاصمة
السوفيتية؟!.. حتى نحن لا نجازف بإرسال عملائنا إلى هناك، إلا بعد فترة
تدريب كبيرة، في دول أوربا الغربية
أشار صبري بيده، قائلاً في توتر:
ولكنني سأكون هناك؛ لمساندته عند الحاجة، ثم إنها فرصة مثالية، ليتقن
الروسية، التي بدأ دروسها مع الألمانية، منذ ثلاثة أشهر، و
قاطعه حسن
مرة أخرى في حدة مستنكرة: ولكن موسكو؟!.. أنت تعلم كيف يتعامل رجال
المخابرات السوفيتية مع الجواسيس، الذين يضبطونهم في أرضهم.. وابنك، مهما
بلغت مهاراته، مازال صبياً، في الخامسة عشرة من عمره، لن يصمد ساعة واحدة،
أمام زبانية الكي. جي. بي، بكل قوتهم وجبروتهم وقسوتهم


قال صبري، في حزم عصبي: لا ينبغي أن يقع في قبضتهم إذن
أجابه حسن في صرامة: وماذا لو حدث هذا؟
أشاح صبري بوجهه، قائلاً: الغرض من التدريب الميداني، هو أن يواجه العميل خطراً فعلياً، ويألف التعامل معه
صاح حسن: ابنك ليس عميلاً
برز أدهم وأحمد في هذه اللحظة، والأخير يتساءل في دهشة: أي عميل هذا، الذي تتحدَّثان عنه؟
استدار إليه الاثنان، في حركة واحدة، وحسن يبتسم، قائلاً: إنه أمر يتعلَّق بالعمل
نقل
أدهم بصره بينهما في صمت، وإن نمَّ تألُّق عينيه عن فهمه ما حدث، فغمغم
صبري، محاولاً إدارة دفة الحديث، إلى اتجاه آخر: كيف حال دروسك يا أحمد؟
أجابه
أحمد، بعد تنهيدة طويلة: إنني أبذل قصارى جهدي، على أمل النجاح بمجموع
كبير، يساعدني على الالتحاق بكلية الطب، التي أحلم بها منذ زمن طويل
التفت حسن إلى أدهم، متسائلاً: وماذا عنك؟!.. هل ترغب أيضاً في الالتحاق بكلية الطب؟
أجابه أدهم في سرعة: الكلية الحربية
ارتفع حاجبا حسن في دهشة، وهو يقول: عجباً!.. كنت أتصوَّر أن
لم يحاول إتمام عبارته، وإنما بترها فجأة، واستدار إلى صبري، قائلاً: مرة أخرى، سأعترف أنني أخطأت
ثم أشار بسبَّابته، مستدركاً: فيما سبق فحسب
أجابه صبري، في حزم صارم: وفيما هو آت بإذن الله
تطلَّع إليه حسن لحظات في صمت، ثم قال في حنق، وهو يدير عينيه إلى أدهم: فليكن.. أنت وشأنك
لم يحاول أدهم التعليق على عبارته، في حين تساءل أحمد في دهشة بالغة: فيم تتحدَّثان بالضبط؟
أجابه أدهم مبتسماً: فيما سبق فحسب
وارتفع حاجبا حسن، في دهشة بالغة؛ لأن الصوت الذي نطق به أدهم العبارة، كان يطابق صوته هو تماماً
وضحك صبري لدهشته، في حين غمغم أحمد مبتسماً: إنها هواية لا تفارقه قط
أومأ حسن برأسه في صمت، ثم التفت إلى صبري، قائلاً: أظنه يحتاج بالفعل إلى تدريب ميداني
نطقها، وأعماقه مازالت تشعر بقلق بالغ، مما قد تسفر عنه تلك الرحلة الميدانية المنتظرة
وكانت مشاعره القلقة هذه محقة تماماً
فالتدريب الميداني كان يخفي خطراً رهيباً
إلى أقصى حد
*******
يـ تـ بـ ـع..
-د.نبيـل فـاروق

_________________



...


إن إحتجت أي مساعدة يا زائر
قم بمراسلتي فورا ً
هذه رسالة تظهر لكل عضو بإسمه
e-mail: MajedRayan87 [at] yahoo [dot] com


israel

avatar
MajedRayan
Admin
Admin

عدد الرسائل : 2548
العمر : 29
الموقع : http://www.majedrayan.co.cc
العمل : IT Junior
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : القاهرة
تاريخ التسجيل : 04/05/2008

http://www.majedrayan.co.cc

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رجل المستحيــــــــــــــل

مُساهمة من طرف kapo_star3 في الخميس يوليو 03, 2008 9:58 pm

santa نسلم ايدك موضوع بجد هايل santa

_________________
avatar
kapo_star3
المراقــــب العــــام
المراقــــب العــــام

عدد الرسائل : 1425
العمر : 27
العمل : طالب
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : العريش
تاريخ التسجيل : 20/05/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رجل المستحيــــــــــــــل

مُساهمة من طرف MajedRayan في الخميس يوليو 03, 2008 10:06 pm

Thanx kapo

_________________



...


إن إحتجت أي مساعدة يا زائر
قم بمراسلتي فورا ً
هذه رسالة تظهر لكل عضو بإسمه
e-mail: MajedRayan87 [at] yahoo [dot] com


israel

avatar
MajedRayan
Admin
Admin

عدد الرسائل : 2548
العمر : 29
الموقع : http://www.majedrayan.co.cc
العمل : IT Junior
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : القاهرة
تاريخ التسجيل : 04/05/2008

http://www.majedrayan.co.cc

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجزء الثالث: موسكــو

مُساهمة من طرف MajedRayan في الإثنين يوليو 07, 2008 12:17 am

الجزء الثالث: موسكــو




على
الرغم من كل ما تلقاه من تدريبات، بدا أدهم مبهوراً تماماً، وهو يرى
الجليد السوفيتي لأوَّل مرة، وتملَّكه شغف شديد، وهو يتابع كل ما حوله،
ويرصد أساليب السوفيت، وأسلوب حديثهم، وحتى طريقة نطقهم لمخارج الألفاظ
وانتبه والده صبري إلى هذا، فربَّت على كتفه، وقال مبتسماً: سأتسلَّم عملي في السفارة، ثم نخرج معاً، في أوَّل جولة ميدانية لك
أومأ
أدهم الشاب برأسه متفهماً، وحاول أن يسترخي داخل السيارة، التي تقلهما عبر
موسكو، إلى مبنى السفارة المصرية، في حين غرق صبري في لجة من الأفكار
المتداخلة
كان يدرك جيداً، كرجل مخابرات، أن ذلك التدريب الميداني شديد
الأهمية، بالنسبة لكل من يقتحم هذا العالم شديد التعقيد؛ حتى يألف معايشة
الواقع، ومواجهة الخطر، ويعتاد اتخاذ القرارات الحاسمة، في أصعب الظروف
وأشقها، والخروج من ثقب الإبرة، كما يقولون في عالمه
وكان يرغب بشدة، في أن يبدأ أدهم تدريباته مبكراً، حتى تكتمل الصورة، التي رسمها في ذهنه، منذ ما يقرب من ثلاثة عشر عاماً أو يزيد
إلا
أنه، قبل كل هذا أب، يشعر بالقلق والخوف على ابنه، الذي سيُلقي به في
الميدان، دون سابق إنذار، ليخوض أوَّل مواجهة فعلية له، مع عالم يراه
لأوَّل مرة
ولكن عليه أن يقاوم
ويحتمل..
ويصبر..
هذه هي ضريبة النجاح، في العالم الذي اختاره بإرادته، والذي يحلم بأن يصبح ابنه يوماً سيِّداً له
هل تعرف موقع السفارة المصرية من هنا؟ -
ألقى
صبري السؤال على أدهم فجأة، فالتفت إليه هذا الأخير في اهتمام، وانطلق
عقله في سرعة، يسترجع تفاصيل خريطة العاصمة السوفيتية، التي ظلّ يحفظها
ليومين كاملين، وهو يجيب: بالتأكيد
ربَّت صبري على كتف السائق، مع هذا الجواب، وهو يقول في حسم: توقَّف هنا
أوقف
السائق المصري الأصل السيارة، وسط الشوارع التي أغرقها الجليد، دون أن
يفهم سبب هذا، فالتفت صبري إلى ابنه، واستنفر كل إرادته، وهو يقول له في
حزم، مع فتح الباب المجاور: الحق بي هناك إذن
نطقها، محاولاً السيطرة
على انفعاله بقدر الإمكان، وتوقَّع دهشة عارمة من أدهم، أو لمحة استنكار
على الأقل، لذا فقد أدهشه أن أجابه الشاب في بساطة، وهو يغادر السيارة
بحركة سريعة: فليكن
كانت الدهشة والاستنكار من نصيب السائق، عندما عاد صبري يربِّت على كتفه، قائلاً: هيا بنا
نقل السائق بصره في ذعر، بين وجهي صبري وأدهم، قبل أن يقول بصوت متردِّد: هل.. هل سنتركه هنا؟
أجابه صبري في حزم: سيلحق بنا
هتف السائق، وكأنما يحاول إعادته إلى صوابه: إننا في قلب موسكو، ورجال الأمن يجوبون الطرقات، و
قاطعه صبري في صرامة: ألم تسمعني جيِّداً؟!.. قلت: هيا بنا
هزَّ
السائق رأسه في قوة، محاولاً استيعاب الأمر، ثم انطلق بالسيارة، منفذاً
الأوامر، وصبري داخلها، يبذل جهداً خرافياً ليبدو متماسكاً، على الرغم من
قلقه الشديد على ابنه
أما أدهم فقد ظلَّ في مكانه، يتابع السيارة حتى اختفت عند الناصية، فالتقط نفساً عميقاً، وراجع الخريطة في ذهنه مرة ثانية، و
وتحرَّك

*******
كانت
البرودة قارصة، والجليد يغطي كل شيء، ورجال الأمن منتشرون في كل الأركان،
إلا أنه بدا هادئاً واثقاً، وهو يسير في الاتجاهات التي درسها مرتين، قبيل
قدومه مع والده إلى موسكو
لم يكن يحمل جواز سفره، أو أية أوراق تثبت
هويته، ولم تكن لغته الروسية متقنة، إلا أنه، مع سيره الواثق، لم يكن يثير
انتباه أحد.. فيما عدا الماجور ديمتري
والماجور ديمتري هذا من رجال
الكي. جي. بي، المنوط بهم مراقبة الشوارع والطرقات، والذين تلقوا تدريبات
مكثفة، عالية المستوى، لكشف أي عميل أمريكي، يحاول التسلَّل إلى النظام
السوفيتي
ولقد شاهد ديمتري أدهم يسير وسط المارة، وعلى عكس رجال الأمن
العاديين، لاحظ أن المعطف الذي يرتديه ليس سوفيتي الصنع، كما أن الحذاء في
قدميه أفخم مما اعتادوه، وهذا يعني أنه ليس سوفيتياً على الأرجح.. وما دام
ليس سوفيتياً، فالبديل الوحيد هو أنه أمريكي
إلى أن يثبت العكس..
وفي خفة، تحرَّك ديمتري، وأشار إلى رجاله بمحاصرة الهدف، فتحرَّك ثلاثة منهم، لوضع أدهم داخل حلقة محكمة، دون أن يلفتوا انتباهه
ثم لم يلبث ديمتري أن تقدَّم منه، واستوقفه فجأة، قائلاً في صرامة قاسية خشنة: أوراقك
على
الرغم من دقة الموقف وخطورته، ومن إدراك أدهم هذا، ظلَّت ملامحه هادئة
تماماً، وهو ينظر إلى ديمتري، الذي وضع يده على مقبض مسدسه، وهو يكرِّر،
في شيء من الحدة: أوراقك.. فوراً
مع عبارته الثانية، انتبه أدهم إلى
رجال الأمن الثلاثة، الذين التفوا حوله؛ ليمنعوه من الفرار، ودرس ذهنه في
سرعة صعوبة موقفه، وأنهم لن يفلتوه بسهولة، فرفع أصابعه إلى فمه وأذنيه،
في حركة سريعة، انعقد لها حاجبا ديمتري، وغمغم أحد رجاله: يحاول القول إنه
أصم أبكم
قال ديمتري، في خشونة أكثر، وهو يسحب مسدسه: هراء.. لن يخدعني صبي مثله.. أوراقك، وإلا نسفت رأسك فوراً.. هنا.. في الشارع
أشار أدهم مرة أخرى، إلى أذنيه وفمه، فهزَّ ديمتري رأسه في حنق، وهو يقول: فليكن.. ما دمت مصراً
وأشار إلى الرجال الثلاثة، مضيفاً في قسوة: أحضروه.. سأستجوبه في مكتبي
وهنا، انقض الرجال الثلاثة على أدهم الشاب، وتحرَّكت سيارة أمن قريبة نحوهم، في نفس اللحظة التي استدار فيها ديمتري لينصرف، و
وفجأة، تحرَّك أدهم بدوره
انزلق
دون مقدمات، بين أقدام الرجال الثلاثة، وانحنى يندفع من أسفل أذرعهم، ثم
وثب على مقدِّمة سيارة الأمن، ومنها إلى سقفها، ثم قفز خلفها


ومع
المفاجأة، شهق الرجال الثلاثة، وارتبك سائق سيارة الأمن، واستدار ديمتري
في حركة سريعة، ليطلق عليه النار، ولكن التفاتته، على الأرض الزلقة
بالجليد، أفقدته توازنه، فسقط على ظهره في الشارع، وانطلقت رصاصته في
الهواء
أما أدهم، فقد هبط على الجليد خلف السيارة، وحافظ على توازنه
برشاقة مدهشة، ثم انطلق يعدو مبتعداً، فصرخ ديمتري، وهو ينهض من سقطته،
وقد تحوَّل وجهه إلى قطعة من الجمر المشتعل، من شدة الغضب: أمسكوا به.. لا
تسمحوا له بالفرار
وفور ندائه، انطلق الرجال الثلاثة خلف أدهم الشاب،
واستدارت سيارة الأمن لتطارده، فوثب داخلها ديمتري، وهو يقول في غضب شرس:
أريده حياً
وبدأت مطاردة رهيبة
في قلب موسكو..
*******
"أين أدهم؟"
ألقى السفير المصري في موسكو السؤال في دهشة على صبري، فور وصوله إلى مبنى السفارة، وتابع في قلق واضح: أخبروني أنه سيأتي بصحبتك
أومأ صبري برأسه إيجاباً، وقال: لقد أتى بالفعل، ولكنني أطلقته في جولة ميدانية، وسيصل وحده بإذن الله
هتف
السفير مستنكراً: وحده؟!.. هنا؟!.. هل جننت يا صبري.. ابنك لم يتجاوز
السابعة عشرة من عمره بعد، وهذه أول زيارة له إلى موسكو، فكيف تتركه وحده،
وسط رجال أمنها المهووسين طوال الوقت؟
انعقد حاجبا صبري، وهو يجيب، في
شيء من العصبية: وماذا لو أنه وجد نفسه في موقف مماثل في المستقبل؟!.. ألا
ينبغي أن يعتاد هذا منذ الآن؟
هتف السفير: في موسكو؟!.. لقد اخترت أصعب
عاصمة، في الشرق كله يا رجل.. لماذا لم تكن رحلته الميدانية الأولى في
لندن أو باريس.. أو حتى روما
ازداد انعقاد حاجبي صبري، وهو يغمغم: قدَّر الله سبحانه وتعالى، وما شاء فعل
هزَّ
السفير رأسه في حدة، قائلاً: ونعم بالله، ولكنها مشيئتك أنت يا صبري.. لقد
كنت تعلم كل شيء عن السوفيت، وعلى الرغم من هذا، فقد ورّطت ابنك معهم.. أي
رجل يقدم على هذا
أجابه في حزم متوتر: رجل، يرغب في أن يجعل من ابنه أسطورة
هتف السفير محنقاً: حية أم ميتة؟
لم
يكد ينطقها، حتى اندفع أحد رجال السفارة إلى المكان، وهو يقول في انفعال:
معذرة يا سيادة السفير، ولكنها أنباء عاجلة.. لقد ألقوا القبض على أدهم،
ابن السيِّد صبري
وهوى قلب صبري بين قدميه
*******
عندما نصل إلى موسكو، ستبدأ رحلتك التدريبية الميدانية يا أدهم
استعاد
ذهن أدهم الشاب تلك العبارة، التي ردَّدها والده على مسامعه في الطائرة،
وهو يعدو على الجليد السوفيتي، وخلفه ثلاثة رجال مسلحين، وسيارة قوية
ستكون وحيداً يا أدهم، وعليك أن تعتمد على نفسك، وألا تتورَّط، أو تورِّط السفارة، في أية أمور


أطلق
ديمتري رصاصة نحوه، تجاوزته بالكاد، وارتطمت بجزء من الجدار، الذي يعدو
إلى جواره، فانحنى بحركة آلية، ثم انحرف في أوَّل شارع جانبي وجده، وهو
يعتصر ذهنه، على الرغم من الموقف العسير؛ لتذكُّر كل تفاصيل الخريطة
الممكنة
المفترض أن هذا الشارع يقوده إلى ساحة شعبية صغيرة، في نهايتها زقاق ضيق، يقود إلى
انطلقت
رصاصة أخرى خلفه، من مسدس ديمتري، وضربت الأرض، خلف قدمه مباشرة، فوثب إلى
الأمام، ووجد نفسه في تلك الساحة الشعبية، وزادت السيارة من سرعتها خلفه، و
ولم يجد ذلك الزقاق الضيق أمامه
كانت
هناك كومة ضخمة من الصناديق الخشبية، تسد مدخله تماماً، وعدد من السيارات
المتهالكة أمامها، بحيث لا يوجد مكان واحد، يمكن أن يختبئ فيه أدهم
ومن سيارته، هتف ديمتري في ظفر: وقع في قبضتنا
مع عبارته، زاد السائق من سرعة السيارة، وظهر رجال الأمن الثلاثة، وهم يلهثون في شدة، عند مدخل الساحة الشعبية، وأصبح الحصار كاملاً
بلا مفر..
وعلى
الرغم من لهاثهم العنيف، شهر الرجال الثلاثة مسدساتهم، وأطلَّت من عيونهم
نظرة وحشية قاسية، واندفعت السيارة، في حين توقَّف أدهم تماماً، واستدار
يواجه ذلك الهجوم الرهيب
ثم فجأة، اتخذ عقله قراراً جنونياً
ووضعه موضع التنفيذ..
وقبل أن ينتبه أحدهم إلى ما ينتويه، اندفع أدهم نحو سيارة ديمتري، الذي أدهشه هذا، فهتف مستنكراً: ماذا يفعل؟
لم
تكن عبارته قد اكتملت بعد، عندما وثب أدهم على مقدِّمة السيارة، التي لم
تتوقَّف لحظة واحدة، ثم قفز إلى أعلى، ودار بجسده كله في الهواء، ليهبط
خلفها مباشرة..
وأمام رجال الأمن الثلاثة
ومرة أخرى، شهق الرجال الثلاثة بمنتهى الدهشة، وصرخ ديمتري في سائق سيارته: استدر.. أسرع
ضغط
السائق فرامل السيارة في قوة، استجابة لأوامره، إلا أن هذا الأمر المفاجئ
أدى إلى انزلاق الإطارات، فوق الجليد المنتشر في المكان، فاندفعت السيارة
بجانبها، نحو كومة الصناديق الخشبية، وارتطمت بها في عنف، فتساقط بعضها
فوقها، وسقطت منه عدة زجاجات فودكا، انتشرت فوق الجليد
وفي اللحظات
نفسها، التي حدث فيها هذا، كان الرجال الثلاثة يشهرون مسدساتهم، في وجه
أدهم، الذي تحرَّك بسرعة مدهشة، لا تتناسب مع عمره، وركل المسدس من يد
أحدهم
ثم وثب يلتقطه، وهبط ينزلق أرضاً، متجاوزاً الرجال الثلاثة، الذين صرخ أحدهم: ما هذا الشيطان؟
كانت
سيارة ديمتري تستدير، لتنقض على أدهم مرة أخرى، والرجلان الآخران يصوبان
مسدسيهما إليه، فمال بالمسدس، وهو يواصل انزلاقه على الجليد، وأطلق منه
رصاصة
رصاصة واحدة، انطلقت في المكان المناسب، فأحدثت شرارة صغيرة،
التقطتها الفودكا المنسكبة، فاشتعلت النيران في الساحة كلها دفعة واحدة،
وبسرعة مخيفة
ولم ينتظر أدهم ليرى نتائج هذا، وإنما اندفع خارج تلك الساحة الشعبية، وهو يلقي بالمسدس بعيداً
وبحركة واحدة، وصوت واحد، ارتفعت عشرة مدافع آلية في وجهه، وبدت خلفها وجوه عسكرية سوفيتية صارمة
ثم ظهر ديمتري والرجال الثلاثة من خلفه، وبدوا أشبه بسيلويت صامت، مع النيران المشتعلة خلفهم
وأدرك أدهم أنه قد سقط..
في قبضة السوفيت..
الرهيبة..
*******
انعقد
حاجبا صبري في شدة وتوتر، وهو يعقد كفيه خلف ظهره، ويواجه نافذة مكتب
السفير الكبيرة، فسأله هذا الأخير في حدة: هل ستجلس هنا صامتاً؟
غمغم صبري: إنه تدريب ميداني؟
صاح السفير محنقاً: ولقد فشل، وابنك الآن في قبضة المخابرات السوفيتية، وكلانا يعلم أنهم لا يرحمون الجواسيس
غمغم صبري، وهو يحاول كتمان مرارته في أعماقه: إنه ليس جاسوساً
صاح
السفير: ومن سيثبت لهم هذا؟!.. الشهود أكَّدوا أنه فر منهم، بأسلوب أقرب
إلى المحترفين، ومن المستحيل أن يصدقوا أنه مجرَّد صبي عادي
عضَّ صبري شفته السفلى، قبل أن يقول: عليه أن يواجه هذا
كاد السفير يصرخ: هل جننت يا رجل؟!.. إننا لا نتحدَّث عن عميل ميداني.. إنه ابنك
كتم صبري دموع ألمه، وهو يقول في حزم: هنا، هو عميل ميداني.. وعليه أن يواجه الموقف
لم يصدِّق السفير أذنيه، وهو يحدِّق فيه ذاهلاً، ولكن صبري لم يلتفت إليه بنظرة واحدة
ربما ليخفي تلك الدموع، التي سالت من عينيه في صمت
دموع خوفه على ابنه..
على أدهم..
*******
"أنت أمريكي.. أليس كذلك؟"
نطق ديمتري السؤال في صرامة، باللغة الإنجليزية، فرفع أدهم عينيه إليه في هدوء، وأجابه بإنجليزية سليمة: ربما
رمقه
ديمتري بنظرة قاسية صارمة، وعقد كفيه خلف ظهره، وتحرَّك قليلاً في المكان،
ثم قال في حدة: لكنتك ليست أمريكية.. ربما كنت بريطانياً، أو
استوقفته ابتسامة أدهم الساخرة، فصرخ، وهو يهوي على وجهه بصفعة غاضبة: لا تسخر مني
صدّ أدهم الصفعة بساعده الأيسر، وشعر ديمتري بقوة الساعد، فتراجع بحركة حادة، وقال في غضب: آه.. أنت ترغب في العنف إذن
هزَّ أدهم كتفيه، في لا مبالاة مستفزة، فاحتقن وجه ديمتري، وقال في شراسة: لو أنك تتحدى ديمتري، فأنت غبي
ثم استدار إلى أحد رجاله، قائلاً بنفس الشراسة: اطلب أليكس
اتسعت
عينا الرجل، وكأنما أفزعه ذكر الاسم، واندفع خارج المكان وهو يرتجف،
فاعتدل ديمتري يواجه أدهم، قائلاً: لو أردنا استنطاق تمثال من الحجر،
فالرفيق أليكس هو خير من يفعل هذا
غمغم أدهم في لا مبالاة: عظيم
احتقن
وجه ديمتري أكثر، ومال نحوه، وهو يلوِّح بمسدسه في وجهه، قائلاً: عندما
تبدأ في التوسُّل، سأجبرك على لعق حذائي أيها المتعجرف، و


قبل
أن يتم عبارته، تحرَّكت يد أدهم في سرعة مدهشة، فالتقط ماسورة مسدس
ديمتري، وأمالها بحركة حادة، آلمت أصابع هذا الأخير، فأفلت مسدسه بحركة
غريزية، في نفس اللحظة التي تلقَّى فيها ركلة من قدم أدهم في صدره، فتراجع
في عنف، ليجد فوهة مسدسه مصوَّبة إليه، وخلفها أدهم الشاب، يبتسم في
سخرية، وهو يقول في لامبالاة: أظننا بحاجة إلى إعادة صياغة اسم المتعجرف،
فلقد تركتني بلا قيود، واقتربت مني لمسافة غير آمنة، ولم تحكم قبضتك حتى
على مسدسك.. للأسف يا صاح.. أنت لا تليق بالعمل، في جهاز أمن خطير كهذا
قال ديمتري في حدة: وأنت واهم، لو تصوَّرت أنك تستطيع الفرار من هذا المكان
هزَّ أدهم كتفيه، قائلاً: اعتبره تدريباً ميدانياً
فاجأه صوت صارم خشن، يقول بالإنجليزية: ولم لا تعتبره محاولة فاشلة


ومع العبارة، شعر أدهم بفوهة مسدس باردة، تلتصق بمؤخرة رأسه، وأدرك أن السوفيت ليسوا هينين
على الإطلاق..
*******
يـ تـ بـ ـع..

_________________



...


إن إحتجت أي مساعدة يا زائر
قم بمراسلتي فورا ً
هذه رسالة تظهر لكل عضو بإسمه
e-mail: MajedRayan87 [at] yahoo [dot] com


israel

avatar
MajedRayan
Admin
Admin

عدد الرسائل : 2548
العمر : 29
الموقع : http://www.majedrayan.co.cc
العمل : IT Junior
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : القاهرة
تاريخ التسجيل : 04/05/2008

http://www.majedrayan.co.cc

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجزء الرابع

مُساهمة من طرف MajedRayan في الإثنين يوليو 14, 2008 6:23 am

حمل السفير المصري حقيبته في حزم، وهو يتجه خارج مبنى السفارة، فاستوقفه صبري في حزم متوتر، وهو يقول: إلى أين؟
أجابه السفير في عصبية: إلى الكي. جي. بي.. سأخبرهم بأن أدهم من رعايانا، وأنك والده، و
قاطعه صبري في صرامة: معذرة يا سيادة السفير، ولكنني أرفض هذا
صاح به السفير في حدة: ترفض إنقاذ ابنك، من قبضة الكي. جي. بي؟
أجابه
صبري في عصبية: أرفض أن نسعى نحن لإنقاذه، بعد ساعات قليلة، من أوَّل رحلة
تدريب ميداني له.. هذا سيفسد كل ما حاولت زرعه فيه، خلال السنوات
الماضية.. لقد جاهدت؛ لأصنع منه شاباً قادراً على الاعتماد على الذات، ولا
ينبغي أن أهرع إليه، في أوَّل مأزق يقع فيه
قال السفير في غضب: ما
تسميه مأزقاً، أطلق عليه أنا اسم كارثة، فابنك لم يرتكب مخالفة مرورية، أو
تشاجر حتى مع رجل شرطة.. لقد تورَّط مع المخابرات السوفيتية، وهو معتقل
هناك.. ألا تدرك ما قد يفعلونه به؟
أجابه صبري، وهو يتماسك في بسالة:
أدرك هذا بالتأكيد، وأتمزَّق لمجرَّد التفكير فيه، ولكنني أحسنت تعليم
ابني وتدريبه، وحان الوقت لأتأكَّد من أنه قد أفاد من كل ما لقنته له،
وإلا فلا فائدة ترجى من المواصلة
حدَّق فيه السفير بضع لحظات في دهشة،
ثم هزَّ رأسه في قوة، هاتفاً في سخط: تلك الفكرة سيطرت على عقلك، وجعلتك
أقرب إلى الجنون!!.. ألا تحب ابنك يا رجل؟
شرد صبري ببصره بضع لحظات، قبل أن يغمغم في مرارة: الله سبحانه وتعالى أعلم كم أحبه، وكم أحتمل من أجله
أطلق السفير زفرة عصبية، وغمغم: المهم أن يحتمل هو
وفي رأسيهما معاً، ارتسمت صورة يعرفانها جيداً
صورة أروقة تعذيب الكي. جي. بي..
المفزعة..
*******
دفع
أليكس أدهم في خشونة، داخل قبو التعذيب، وصوَّب إليه مسدسه في شراسة، وهو
يقول في سخرية وحشية: ألا ترغب في الاعتراف أيها الصغير، قبل أن تنسى
اسمك، من شدة الألم؟
أحنقه ذلك الهدوء، الذي أجاب به أدهم: لست أذكره بالفعل
أشار
ديمتري إلى ثلاثة جنود أشداء؛ ليقفوا متحفزين، مصوبين فوهات مدافعهم
الآلية نحو أدهم، وهو يقول له في صرامة: عندما يبدأ أليكس في التعامل معك،
ستذكر الكثير جداً
أشار أدهم بسبَّابته، قائلاً: لقد تعاملنا في أعلى بالفعل، ولست أذكر شيئاً
قال أليكس في حدة: أنت متبجح أكثر مما ينبغي أيها الصبي، على الرغم من أنك لم تشعر بقدومي، عبر النفق السري، عندما باغتك
هزَّ أدهم رأسه، قائلاً: أعدك ألا يتكرَّر هذا قط
صاح به أليكس: بالتأكيد.. بعد أن أحطّّم عظام ساعديك وركبتيك
تراجع ديمتري، وجلس على مقعد كبير، ووضع إحدى ساقيه فوق الأخرى، وهو يقول: هيا يا أليكس.. أريد كل ما لديه
زمجر
أليكس في وحشية مخيفة، وهو يجذب أدهم إلى مقعد من المعدن، ويلصق فوهة
مسدسه بصدغه، قائلاً: استرجع كل أحداث حياتك أيها الصبي، فستقصّها عليَّ،
منذ لحظة ميلادك، وحتى مشهدنا هذا
*******
لا تجعل خصمك يخيفك يا أدهم
المنتصر دوماً، هو من يتمالك جأشه، ويسيطر على أعصابه طوال الوقت
ما
من نظام أمني محكم مائة بالمائة.. كل نظام، مهما بلغ تعقيده، يحوي حتماً
ثغرة ما، وكل ما عليك هو أن تبحث عن هذه الثغرة، وعن وسيلة الإفادة منها،
وستخترق أي جهاز أمني
السرعة يا أدهم.. السرعة والمفاجأة، يربحان نصف المعركة.. وأنت تربح النصف الثاني

تردَّدت كل تلك العبارات في ذهن أدهم، وأليكس يجذبه نحو المقعد المعدني، المتصل بأسلاك كهربية، وأغلال معدنية سميكة
وبسرعة، فرز أدهم القبو الواسع، ودرس موقعه مع أليكس، وموقع ديمتري، وموقع رجال الأمن الثلاثة، و
وفجأة، انتبه إلى نقطة الضعف
وتحرَّك..
كان أليكس يجذبه نحو المقعد المعدني، عندما دار حول نفسه بحركة مباغتة، وتفادى فوهة مسدس السوفيتي الضخم، ليحيط عنقه بساعده في قوة
تلك المبادرة المباغتة وحدها، كانت تكفي لإرباك الرجال، الذين لم يعتادوا المقاومة في فرائسهم المنهارة قط
ولكن أدهم الشاب لم يكتفِ بها
فما
أن أحاط عنق أليكس بذراعه، حتى وثب بقدميه، ليركل ديمتري في وجهه، ثم أكمل
دورته، ليضرب المسدس، من يد أحد الرجال الثلاثة، وبعدها أفلت عنق أليكس،
وترك جسده يندفع إلى الأمام، ليستند بقدميه إلى كتفي الرجل الثاني، ثم يثب
منه، نحو نافذة مقابلة
كل هذا فعله في أقل من ثانية واحدة، لم تكد
تكتمل، حتى كان جسده يندفع نحو النافذة، ويرتطم بزجاجها، ويحطمه، ليسقط
خارجه، فوق حارسين، يستعدان لركوب سيارة جيب صغيرة
كانت مفاجأة عنيفة للحارسين، اللذين سقطا أرضاً، قبل أن يسحب أحدهما مسدسه، ويهتف: ياللشيطان!.. إنه صبي
ما
أن اكتملت عبارته، حتى ركله أدهم في أنفه مباشرة، في نفس اللحظة التي وثب
فيها داخل الجيب، وأدار محركها، مع نهوض الحارس الثاني، وبروز ديمتري من
النافذة المكسورة، وهو يطلق النار، صارخاً: أوقفوه.. أوقفوا الجاسوس
اخترقت رصاصاته زجاج السيارة الخلفي، وتجاوزته لتمرق إلى جوار أذن أدهم، ثم تخترق الزجاج الأمامي
ولكن أدهم الشاب لم يتوقَّف لحظة واحدة
لقد واصل انطلاقته بأقصى سرعة، واندفع بالجيب نحو بوَّابة جهاز المخابرات السوفيتي، التي أسرع الحرَّاس يحاولون إغلاقها
وفي مبادرة مدهشة، زاد أدهم من سرعة السيارة، وانعقد حاجباه، في صرامة لا تتناسب مع عمره، وهو ينقض على البوَّابة
ومن موقعه، خفق قلب ديمتري في عنف، وبدا له أن السيارة لن تتجاوز تلك البوَّابة أبداً
ولكن
أدهم وثب بالسيارة، وسمع صوت ارتطام جانبيها العنيف بحافتي البوَّابة،
وتطايرت من حوله شرارات نارية عنيفة، وتطايرت أجزاء من السيارة حوله
ولكنه تجاوز بها البوَّابة


كانت
هناك حافلة كبيرة، تعبر الطريق في اللحظة نفسها، فضغط هو فرامل الجيب بكل
قوته، لتنزلق فوق الجليد، الذي يغمر الطريق، قبل أن ترتطم بجانب الحافلة
في قوة
وفي اللحظة نفسها، وثب ديمتري عبر النافذة، ولوَّح بمسدسه، وهو
يعدو نحو البوَّابة، مكرِّراً: أوقفوا الجاسوس، قبل أن يخرج من السيارة..
ولكن أدهم لم يخرج من السيارة
ولم يستسلم أيضاً..
لقد أدار مقود الجيب، وضغط دوَّاسة وقودها، ليعود بها إلى الخلف بحركة حادة، ثم يندفع بمحاذاة الحافلة، مبتعداً عن المكان
وخلفه، انطلقت ثلاث سيارات جيب قوية، وثب ديمتري في إحداها، وهو يقول في حنق: مستحيل!.. إنه مجرَّد صبي
لم
تكن موسكو معتادة على مثل هذا النشاط العدائي المفرط في شوارعها، لذا فقد
أصيب المارة بذعر لا محدود، وهم يعدون مبتعدين عن السيارات، التي اشتركت
في مطاردة رهيبة
كان أدهم ينطلق بالسيارة شبه المحطَّمة، والتي تصدر
دوياً رهيباً، مع أجزائها المفكَّكة، وسيارات الجيب الثلاث القوية تطارده
في شراسة
ومن سيارته، ضغط ديمتري زر جهاز الاتصال اللاسلكي، وهو يقول
في صرامة قاسية: حاصروه، حتى يتجه إلى شارع لينين.. سنظفر به هناك يا رفاق
لم
يسمع أدهم العبارة، وهو ينطلق بالسيارة، وسط شوارع موسكو، ولم يُدرك أن
سيارات الجيب الثلاث كانت تضيق الخناق عليه، في مناورة مدروسة ومحسوبة،
بحيث يتخذ مساراً بعينه
ورويداً رويداً، ومع عنف وشراسة المطاردة، راح يقترب بسيارة الجيب المتهالكة من الفخ
من شارع لينين..
وعندما لم يجد أمامه سبيلاً آخر، انحرف أدهم بحركة حادة، في أول شارع عريض أمامه، و
وفوجئ بتلك المتاريس المعدنية
وكان تفادي الصدام مستحيلاً
بكل المقاييس
*******


عندما دخل السفير المصري حجرة صبري هذه المرة، كان صامتاً، ممتقعاً، مبهوراً، على نحو جعل هذا الأخير يغمغم في قلق: هل من جديد؟
تطلَّع إليه السفير بضع لحظات في صمت، قبل أن يقول، بصوت خافت مبحوح مرتبك: ابنك يا صبري
ازدرد صبري لعابه الجاف، وهو يتمتم: ماذا عنه؟
أطلق السفير زفرة متوترة، وهو يجيب: لقد فرَّ من مقر الكي. جي. بي
كانت مفاجأة مدهشة، بالنسبة لصبري، الذي استدار إليه في حركة حادة، وتألَّقت عيناه على نحو عجيب، وهو يغمغم: فرَّ؟
أجابه السفير في توتر مبهور: إنها أوَّل مرة يحدث فيها هذا، منذ قاموا بإنشاء الكريملين، وهذا يثير ضجة رهيبة في الحكومة
كرَّر صبري، وقد حمل صوته رنة سعادة هذه المرة: فرَّ؟!.. مدهش
تابع السفير في عصبية: ولكنهم يطاردونه في قلب موسكو
كان السفير يتوقَّع ألف سؤال وسؤال من صبري، إلا ذلك الذي ألقاه بكل اهتمامه: هل عرفوا هويته؟
حدَّق فيه السفير ذاهلاً، فاستدار إليه صبري، قائلاً في توتر: أخبرني بالله عليك
ظلَّ السفير محدِّقاً فيه، وهو يهز رأسه في بطء، مجيباً: كلا.. إنهم يظنونه أمريكياً
أغلق صبري عينيه، وتمتم في ارتياح: حمداً لله
هتف
به السفير، في غضب مستنكر: أهذا كل ما يشغلك؟!.. أخبرك أن ابنك مطلوب، في
قلب موسكو، وقوات أمنها تطارده، فلا يقلقك إلا كشفه هويته؟
التقط صبري
نفساً عميقاً، وقال: ابني أدهم شاب ذكي، شجاع، وعندما وقع في قبضة رجال
الـكي. جي. بي، لم يحاول إعلان هويته، حتى لا يورِّط السفارة المصرية في
مشكلة أمنية دبلوماسية
هتف السفير: ولكنهم يطاردونه بالفعل
ضمّ صبري شفتيه، وهو يقول في حزم، حاول به مواراة ذلك القلق العارم في أعماقه: إنه اختباره الميداني
قال
السفير في حدة: خطأ يا صبري.. خطأ.. ربما أتيت بابنك إلى هنا، في تدريب
ميداني مفترض، ولكن الأمر تجاوز هذا، ودخل في دائرة بالغة الخطورة
زفر
صبري، قائلاً: مازال تدريباً ميدانياً.. ربما بلغ مرحلة خطيرة، ولكن هذا
ما يمكن أن يواجهه عميل ميداني عادي، في ساحة النزال، وكل عملية قابلة
للتحوُّل إلى حالة خطيرة، دون سابق إنذار
هتف السفير: إننا نتحدَّث عن ابنك
أجابه في حزم: إننا نتحدَّث عن عميل تحت الاختبار.. تصادف أنه ابني
هتف السفير: هذه المطاردة قد تقتله
أشار بسبَّابته، قائلاً: والحكمة القديمة تقول: الذي لا يقتلك يقويك
بُهِت السفير للجواب، وتطلَّع إليه، مغمغماً: ماذا تعني بالضبط؟
شدَّ
صبري قامته، واستنفر ما تبقى من إرادته، وهو يقول: ما أعنيه واضح تماماً
يا سيادة السفير.. ربما لم أقصد ما حدث بالفعل، ولكنه جاء في صالح أدهم
تماماً.. فبتدبير قدري، تحوَّل تدريبه الميداني الأوَّل، إلى مواجهة
ميدانية عنيفة، تكفي لإخراج كل مهاراته وملكاته، فإما أن ينجو منها،
ويطمئن قلبي إلى أنه ذلك العميل، الذي حلمت به طويلاً، أو
لم يستطع إتمام العبارة، فأكملها السفير في حزم غاضب: أو تخسر مشروعك كله
ولم ينبس صبري ببنت شفة..
على الإطلاق..
*******
لم يكن هناك مفر من الاصطدام
الحواجز والمتاريس كانت تعترض الطريق، وتغلق جانبيه، والسيارات الثلاث القوية خلف سيارة أدهم المتهالكة
والتوقُّف كان يعني الوقوع مرة ثانية، في قبضة المخابرات السوفيتية
وفي هذه المرة، لن يرحمه أحد
أبداً..
لذا،
فقد بدا أن الخيار الوحيد هو مواصلة الاندفاع، وهذا ما استقر عليه ذهن
أدهم الشاب، وهو يضغط دوَّاسة الفرامل، ويتجه نحو جزء بارز من الرصيف، و
وفي
مشهد خرافي، لم تشهده موسكو من قبل، وثبت الجيب المتهالكة، وحلَّقت فوق
بعض المتاريس لحظة، ثم هبطت في عنف، فوق سيارات الشرطة والأمن، على الجانب
الآخر منها
كان مشهداً عنيفاً، ومبادرة غير متوقَّعة، مما أدى إلى حالة
اضطراب قوية، دفعت بعض رجال الشرطة والأمن إلى إطلاق النار نحو الجيب،
التي انقلبت، وتدحرجت مرتين، ثم استقرَّت، وسط فوضى لا حدود لها
وفي
قوة، ضغط سائق سيارة ديمتري فراملها، ولم تكد تتوقَّف، حتى وثب منها هذا
الأخير، وهو يلوِّح بمسدسه، هاتفاً: حاصروا المكان.. لا تسمحوا لأحد
بالفرار
تبعه عدد من رجال الشرطة والأمن، وانقضوا كلهم على الجيب المحطمة، يفحصونها في لهفة شرسة، قبل أن يهتف ديمتري في حنق: أين هو؟
فعلى
الرغم من عنف الحادث، والمشهد البشع الذي خَلَّفَه، كانت الجيب المحطمة
خالية تماماً، إلا من بقعة دماء حديثة، ولم يكن هناك أثر لـأدهم
لم يكن هناك أدنى أثر..
وفي ثورة عارمة، صرخ ديمتري، وهو يتلفَّت حوله: إنه لم يبتعد كثيراً.. ابحثوا عنه.. أسرعوا
في نفس اللحظة، التي نطق فيها عبارته، كان أدهم يعدو مبتعداً، في شوارع موسكو الفرعية والجانبية
ففي دقة مدهشة، تدرَّب عليها كثيراً، انتقى اللحظة المناسبة، ليثب من الجيب، قبيل لحظة واحدة، من سقوطها على سيارات الأمن
وبينما كانت تتدحرج، وتتخبَّط، وتتكسَّر، كان هو ينزلق محتمياً بها، ويعدو مبتعداً
كان
يعدو بكل قوته، وكأنما فقد آدميته، وتحوَّل فقط إلى آلة للعدو والجرى،
وعقله يراجع تلك الخريطة، التي أصرَّ والده على حفظها عن ظهر قلب، قبيل
سفرهما
الآن أدرك أهمية كل ما يلقنه إياه والده، الذي خاض عمليات عديدة، وتعلَّم وخبر الكثير
والكثير جداً..
وقبل
أن يستعيد بعض عبارات والده، انطلقت صفارات الإنذار من حوله، وأدرك أن
السوفيت قد قرَّروا إطلاق كل قواتهم خلفه، مما يخفض احتمالات نجاته إلى
الحد الأدنى
ووفقاً للخريطة، كانت تلك الشوارع الفرعية تقوده إلى شارع الثورة، الذي سيكتظ برجال الأمن حتماً
كيف يمكن أن يخرج من هذا الموقف إذن؟
كيف؟
كيف؟
تناهي إلى مسامعه صوت سارينة سيارة أمن تقترب، فانحرف في أوَّل شارع جانبي، محاولاً تذكُّر إلى أين يقود، و
وفجأة، وبعد أن أصبح داخل الشارع بالفعل، انتبه إلى طبيعته
لم يكن شارعاً بالمعنى المعروف، ولكن مجرَّد ممر ضيق بين بنايتين، لا يحوي أية نهاية، أو أبواب أو نوافذ جانبية
فقط مجموعات من مواسير الصرف، التي تنتهي ببركة ماء آسن
باختصار، لم يكن هناك مخرج واحد
ومن بعيد، راح صوت سيارة الأمن يقترب
ويقترب..
ويقترب..
وفي إحدى السيارات، كان ديمتري يصرخ، عبر جهاز اتصال لاسلكي: أريد ذلك الصبي بأى ثمن.. حياً أو ميتاً
كانت
سيارات الشرطة والأمن تحاصر شارعي لينين والثورة، وكلها تلقَّت أمر ديمتري
في وقت واحد، فاندفع أكثر من عشرة رجال مسلحين، ينتشرون في المنطقة،
ويفتشون المارة، في غلظة وشراسة
ولم تمضِ دقيقة واحدة، حتى بلغوا ذلك الشارع الجانبي المسدود
وفي تلك اللحظة، هتف بهم مواطن سوفيتي: لقد رأيت ذلك الشاب يدخل هناك، ولم يخرج بعد
إثر هتافه، اندفع خمسة منهم نحو الممر الجانبي، وهتف أحدهم: ها هو ذا هناك


وقبل حتى أن ينتهي هتافه، كان الخمسة يطلقون نيران مدافعهم الآلية نحو الهدف
مباشرة..
*******
يـ تـ بـ ـع..

_________________



...


إن إحتجت أي مساعدة يا زائر
قم بمراسلتي فورا ً
هذه رسالة تظهر لكل عضو بإسمه
e-mail: MajedRayan87 [at] yahoo [dot] com


israel

avatar
MajedRayan
Admin
Admin

عدد الرسائل : 2548
العمر : 29
الموقع : http://www.majedrayan.co.cc
العمل : IT Junior
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : القاهرة
تاريخ التسجيل : 04/05/2008

http://www.majedrayan.co.cc

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رجل المستحيــــــــــــــل

مُساهمة من طرف DRAGON OF HELL في الإثنين أغسطس 04, 2008 2:24 pm

تسلم ايديك يا ميجو
دايما مواضيعك جامدة

_________________
قالت .. سأعيش بقلبك كالنبض ..سأعيش بروحك كرحيق الورد...
سأعيش بقربك ..لن أبعد بعيد..
قلت ...بعيناكى شطئانى .. وهواكى ألحانى ..
وعشقك كلمات تسرى ... بدمى وتجرى بشريانى ...
قالت ... سأغدو إمرأة عاطفية ... سحابة حب سحرية ....
موجة عشق رومانسية ...
تذيب بقلبك الجليد ...
قلت ... أحبك قلتها والشوق عنوانى .....
أحبك أعترف وروحك سمائى وأوطانى ...
وشفتاكى أزمانى
وعشقك أجمل لحظة بعمرى
وهيامك روح بركانى
avatar
DRAGON OF HELL
مشرف
مشرف

عدد الرسائل : 1224
العمر : 30
الموقع : http://agriculture.yoo7.com
العمل : الشعر
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : العريش
تاريخ التسجيل : 05/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رجل المستحيــــــــــــــل

مُساهمة من طرف MajedRayan في الإثنين أغسطس 04, 2008 4:04 pm

شكرا ًليك يا دراجون

_________________



...


إن إحتجت أي مساعدة يا زائر
قم بمراسلتي فورا ً
هذه رسالة تظهر لكل عضو بإسمه
e-mail: MajedRayan87 [at] yahoo [dot] com


israel

avatar
MajedRayan
Admin
Admin

عدد الرسائل : 2548
العمر : 29
الموقع : http://www.majedrayan.co.cc
العمل : IT Junior
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : القاهرة
تاريخ التسجيل : 04/05/2008

http://www.majedrayan.co.cc

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجزء الخامس

مُساهمة من طرف MajedRayan في السبت أغسطس 23, 2008 2:55 pm

الجزء الخامس: الثعلـب




"أنا مضطر لإبلاغ القاهرة"
نطق السفير عبارته في صرامة حاسمة، فتنهد صبري في توتر، وقال: ربما يؤدي هذا إلى إفساد الأمر كله
قال
السفير في حدة: لقد فسد بالفعل.. موسكو كلها أعلنت حالة الطوارئ، ونصف
رجال أمنها يطاردون ابنك، في حين ينصب له النصف الآخر الحواجز والمتاريس،
فأية نهاية يمكن أن تتوقعها
اجابه صبري في عصبية: لا أحد يمكن أن يتنبأ بالنهاية
قال السفير بصرامته: ربما كان هذا صحيحاً، ولكنني مازلت مضطراً لإبلاغ القاهرة حتى تتخذ ما يلزم في هذا الأمر
التفت إليه صبري قائلاً في حزم: وما الذي ستخبر به القاهرة بالضبط؟
أجابه السفير: بما يفعله ابنك هنا
صمت
صبري لحظة ثم قال بمنتهى الحزم: من الناحية القانونية والرسمية، لم يفعل
ابني أدهم شيئاً منذ وطأت قدماه موسكو، والسوفيت أنفسهم لا يمكنهم اتهامه
بهذا أو حتى الإشارة إلينا، فلماذا نجازف بإرسال برقية، ربما رصدوا شفرتها
منذ زمن، فيكشفون المستور، ويوقنون ممن يطاردون، وتتحول المشكلة إلى كارثة؟
فغر السفير فاه، أمام ذلك المنطق الأمني، وغمغم؟: ولكن واجبي يحتم عليّ أن
قاطعه
صبري بنفس الحزم: لا أحد يمكنه منعك من أداء واجبك، ولكن علينا دوماً أن
نعمل عقولنا في كل موقف عسير نواجهه، ومن هذا المنطلق سأطرح اقتراحاً
واضحاً
غمغم السفير: وما هو؟
أجابه، وقد أدرك أنه نجح في ربح نصف
الموقف على الأقل: سننتظر حتى الغروب، ونرى ما يمكن أن تسفر عنه الأحداث،
فإما أن يمكننا استعادة أدهم في أمان، أو
لم يكمل، فغمغم السفير: أو نبلغ القاهرة
ضغط صبري كل أعصابه، وهو يجيب: بالضبط
نطقها دون أن يدري ماذا يمكن أن يحدث، حتى مغيب الشمس..لم يكن يدري على الإطلاق
*******
عندما صرخ رجل الأمن بأنه يرى أدهم لم يكن هذا الأخير يقف داخل الشارع الضيق المسدود بالفعل
لقد كان هناك
في أعلى..
كان يتسلق مواسير الصرف بسرعة مدهشة، صاعداً إلى السطح.. ولقد أطلقوا عليه النار
ثلاث رصاصات سريعة، صوٌبوها نحوه، بما بدا لهم منتهى الدقة.. وكلها أخطأته
سرعة تسلقه والماسورة الضخمة التي يحتمي بها، ووثباته العلوية المتقطعة، كلها منعتهم من التصويب عليه بدقة
وبمنتهى الغضب رآه ديمتري يثب إلى سطح المبنى، ويختفي هناك فصرخ في ثورة: إنه مجرد صبي
ثم انتزع جهاز اللاسلكي وصاح عبره: هليوكوبتر.. أريد هليوكوبتر فوراً، لمطاردة سطح
أنهى الاتصال، والتفت إلى رجاله، قائلاً في شراسة: حاصروا المنطقة.. لو فر منكم هذه المرة فسأرسلكم جميعاً إلى سيبريا.. هل تفهمون؟
ذكر ذلك المعتقل الرهيب في سيبريا أطلق رجفة عنيفة في أجسادهم فانطلقوا يحاصرون المنطقة، دفاعاً عن حريتهم وأمنهم
أما
أدهم الشاب فقد راح يعدو على الأسطح المائلة، في سرعة فهد، وخفة قط، ويثب
من سطح إلى آخر، مسترجعاً في كل لحظة خريطة موسكو، ومنتقياً هدفه فيها بدقة
ثم فجأة ظهرت تلك الهليوكوبتر..
هليوكوبتر
حربية سوفيتية، برزت فجأة، وحلت فوقه، وقائدها يهتف عبر اللاسلكي: تم رصد
الهدف أيها الرفيق ديمتري.. ننتظر الأوامر بإطلاق النار عليه
هتف به
ديمتري في حدة: تطلق النار على صبي، يقفز فوق الأسطح؟!.. وماذا لو أصبت
سكان البنايات؟!.. ألا تدرك أنك تحلق فوق منازل كبار أعضاء الحزب أيها
الغبي؟
ارتبك الطيار، وتساءل: ماذا ينبغي أن أفعل إذن أيها الرفيق؟
أجابه ديمتري في سرعة: هذا يتوقف على اتجاه حركته
راقب الطيار، انطلاقة أدهم بضع لحظات، ولم يستطع إخفاء إعجابه بسرعته وخفته، وهو يجيب: ينطلق كالفهد نحو حي السفارات
انعقد حاجبا ديمتري وهو يقول في غضب: اللعنة!... إنه يحاول الاحتماء بسفارته
مال مساعده نحوه، وقال في انفعال: هذا يعني أننا لو رصدناه يمكننا تحديد هويته
ازداد انعقاد حاجبي ديمتري وهو يدير الأمر في رأسه، قبل أن يقول في صرامة: فليكن.. ولكننا سنحاصر السفارة الأمريكية، لمنعه من دخولها
وقبل
حتى أن يستوعب مساعده الأمر كان ديمتري يلتقط جهاز اللاسلكي ويقول للطيار
في حزم: ارتفع يا رجل.. اكتفِ بمراقبته، ورصد اتجاهه واترك الباقي لنا
اندهش الطيار للأمر، إلا أنه لم يملك سوى التنفيذ، فارتفع بالهليوكوبتر وراح يرصد أدهم من أعلى
وعلى الرغم من أنه لا يستطيع التوقف لرؤية ما حدث، أدرك أدهم من صوت الهليوكوبتر أنها قد ارتفعت ولقد بدا له هذا مثيراً للانتباه بحق
فمطاردة بين شاب وهليوكوبتر، ليست لها سوى نهاية واحدة حتمية
انتصار الهليوكوبتر
فلماذا ابتعدت إذن؟
لماذا؟
لماذا؟
كان يدير الأمر جيداً في رأسه، محاولاً تحليله وفهم أبعاده الحقيقية، عندما لاح له حي السفارات بالفعل
وهناك وثبت الفكرة إلى ذهنه فجأة
وبلا مقدمات استوعب الأمر كله
وأدرك هدف السوفيت
وفي نفس اللحظة، التي أدرك فيها هذا، كان يثب من سطح إلى آخر
ولكن وثبته لم تكتمل هذه المرة آو آن المسافة كانت أكبر مما ينبغي
لذا فقد هوى جسده بين البنايتين
بمنتهى العنف


*******
تطلع
السفير عبر النافذة الكبيرة في حجرة مكتبه، وراقب حركة الشمس لحظات، قبل
أن يلقي نظرة على ساعته مغمغماً: ساعة واحدة قبل مغيب الشمس
أومأ صبري برأسه دون أن يحيب، فصمت السفير بضع لحظات أخرى وقال: سنضطر لإبلاغ القاهرة
تمتم صبري: لم تغرب الشمس بعد
تنهد السفير وقال: أمامنا ساعة واحدة
صمت صبري بضع لحظات ثم سأل: ماذا عن آخر التقارير؟
زفر السفير، وغمغم في توتر: مازالوا يطاردونه
غمغم صبري: ولكنهم لم يظفروا به بعد؟
هز
السفير رأسه نفياً، وهم بقول شيء ما، لولا أن دخل سكرتير السفارة في هذه
اللحظة، وهو يقول في توتر ملحوظ: سيادة السفير.. لدينا مشكلة
وهوى قلب الرجلين
بعنف..
*******


انعقد حاجبا السفير المصري في موسكو وهو يتطلع إلى الشاب الواقف أمامه في حجرة الاستقبال بالسفارة
كان
شاباً بديناً، مكتظ الوجه، في منتصف العشرينات من عمره، وله ملامح طفولية
صغيرة، لا تتناسب مع حجمه، الذي تضاعف مع معطف الفراء الضخم الذي يحيط
نفسه به
والذي جعل السفير يقول في حذر: الجو دافئ في الداخل
أدرك
الشاب ما يرمي إليه، فأسرع يخلع معطفه، ووضعه بعناية على مقعد قريب، ثم
وقف أمام السفير كتلميذ مذنب، ينتظر العقاب، فسأله السفير بنفس الحذر:
لماذا طلبت مقابلتي، على هذا النحو العاجل؟
ارتبك الشاب، وهو يجيب: أنا مصري في ورطة، وأنت سفيرنا هنا، و
قاطعه السفير بنفاد صبر: ما مشكلتك بالضبط؟
تردد الشاب لحظة، ثم أجاب: مشكلة أمنية
انعقد حاجبا السفير وهو يسأله: هل ارتكبت جناية هنا؟
أجابة الشاب في سرعة، وبلهجة أقرب إلى الارتياع: مطلقاً
سألة السفير، وقد تضاعف حذره: ماذا إذن؟
مرة أخرى، تردد الشاب بضع لحظات، وقال: لسبب ما، أعلن السوفيت حالة الطوارئ القصوى، في قلب موسكو
تمتم السفير في ضيق: أعلم هذا
واصل الشاب، في شيء من الانفعال: ونظراً لحالة الطوارئ، يراجعون أوراق كل الأجانب، وحتى المواطنين
حاول السفير استنتاج الباقي وهو يتساءل: وأنت لا تحمل أوراقاً؟
تنهد الشاب، وأجاب في خفوت: بل أملك كل الأوراق المطلوبة
شعر السفير بدهشة غاضبة، وهو يقول في حدة: ما المشكلة إذن؟
طال تردد الشاب هذه المرة، قبل أن يجيب، في خفوت أكثر: كلها زائفة
خيل للسفير أنه لم يسمع الجواب جيداً، وهو يميل برأسه نحو الشاب قائلاً: ماذا؟
تنحنح الشاب، والتقط نفساً عميقاً، ربما للسيطرة على أعصابه، قبل أن يكرر: كل ما أحمله من أوراق زائف
حدق فيه السفير بمنتهى الدهشة، فارتبك الشاب أكثر، وأضاف، وهو يخفض عينيه في خزي: أنا صنعتها
تضاعفت دهشة السفير، ولم يستطع النطق بحرف واحد، وهو يمد يده إلى الشاب الذي فهم ما يعنيه، فالتقط أوراقه، وناوله إياها
وفي دهشة بلا حدود، راجع السفير الأوراق
كل الأوراق..
كانت تبدو له سليمة تماماً، دون ذرة واحدة من الشك
تصريح إقامة..
رخصة قيادة..
بطاقة جامعية..
وحتى بطاقة للحصول على السلع المدعومة
وكلها كانت تحمل اسماً روسياً، يوحي بأنه مواطن سوفيتي أصلي
وبكل
توتره، رفع السفير سماعة الهاتف، وقال لسكرتير السفارة، في لهجة حملت كل
انفعاله: اطلب من صبري الحضور.. هذا يحتاج إلى خبير أمني
وأنهى الاتصال، وهو يرفع عينيه إلى الشاب، الذي وقف مطأطأ الرأس في خزي، وسأله: ما اسمك يا بني.. اسمك الحقيقي؟
أجابه بلهجة أقرب إلى البكاء: قدري.. اسمي قدري
وخط القدر سطراً جديداً في الأسطورة
أسطورة البداية
*******
لا
أحد يمكن أن يدعي رؤية موسكو الحقيقية إلا لو رآها في قلب الشتاء.. فعلى
الرغم من التصميم الذي يعتمد على الأقبية والأسطح المائلة والذي تعمده
قدامى مصمموها حتى لا تتراكم الثلوج فوق الأسطح، إلا انها تتجمع كلها عند
آخر النوافذ، وعلى الأرضيات والطرق، فتمنح العاصمة الجليدية مظهراً يليق
بتاريخها العتيد
العاصمة التي انكسرت على أبوابها جيوش نابليون
بونابرت، وأدولف هتلر واندحرت، وعادت إلى بلادها، تجر أذيال الخيبة، مع
مرارة الهزيمة والعار
في تلك العاصمة، هوى جسد أدهم الشاب، من الطابق الرابع
كان السطح، الذي وثب ليبلغه، أبعد مما ينبغي، حتى إنه فوجئ بجسده يعجز عن بلوغه
فهوى..
ومع سقوطه، بدا له أنه تسرع، وبالغ كثيراً، في تقدير قدراته ومهاراته، في مواجهة كهذه
كان ينبغي أن يتلقى مزيداً من التدريب
ويكتسب المزيد والمزيد من الثقة
ولكن أفضل ما في أدهم منذ طفولته هو أنه لا يضيع لحظة واحدة في الندم على ما فات
فقط يدرس لحظته
ومستقبله
كل ما يستفيد به من الماضي، هو أن يكتسب خبرة، أو يتفادى تكرار خطأ
وفي تلك اللحظة، وبينما يهوي جسده، كان يدرس الموقف كله، في سرعة بالغة، وبعقل ملتهب
وعندما رصدت عيناه قائماً بارزاً، من جدار المنزل المقابل، دفع جسمه نحوه، كما لو أنه لم يستطع التحكم فيه، مع سقوطه السريع
والمدهش أنه فعلها
بوسيلة ما، ربما هي إرادة فولاذية، استجاب له جسده، واندفع سنتيمترات قليلة إلى الأمام، وامتدت يده نحو القائم، و
وتشبث به
ذلك التشبث أوقف سقوطه دفعة واحدة، فشعر بألم في عضلاته، واندفع جسده كله نحو جدار المنزل، فرفع قدميه، يستقبل بهما الجدران
واستقر هناك
لم يستقر سوى لحظة واحدة، سمع بعدها صوتا يصرخ بالروسية: هاهو ذا
رفع
عينيه بسرعة، إلى مصدر الصرخة، ورأى رجلاً مذعوراً، يطل عليه من شرفة
الطابق السفلي، ثم يسرع ليصرخ في رجال الأمن، الذين يعدون في الشارع
ودون أن يضيع لحظة واحدة، أفلت أدهم يده، وهو يندفع نحو تلك الشرفة، فهبط داخلها، ورأى الرجل يمتقع، ويتراجع صارخاً: جاسوس.. جاسوس
كان
رجال الأمن يعدون نحو الشارع، استجابة لصرخة الرجل فتعلق أدهم بقائم
الشرفة، ووثب منها إلى الشرفة السفلية، ثم منها إلى شرفة الطابق الأول، في
نفس اللحظة التي وصل فيها رجال الشرطة، وبدأوا يطلقون النار نحوه
ومع
إطلاق النار، وحتى لا يحاصر داخل المبنى، وثب أدهم الشاب من شرفة الطابق
الأول إلى الأرضي، وانطلق يعدو مرة أخرى في عكس اتجاه رجال الشرطة الذين
واصلوا إطلاق النار خلفه، محاولين إصابته، وقد بلغ غضبهم مبلغه
كان يعدو بكل قوته، محاولاً بلوغ الطرف الآخر للشارع، عندما فوجئ بعدد آخر من رجال الشرطة يعترضون طريقه، ويشهرون مسدساتهم بدورهم
ومرة أخرى، أعاد عقل أدهم الشاب دراسة الموقف بمنتهى السرعة، دارت عيناه حوله محاولة رصد ما يمكن الاستعانه به
ولكن
الطريق كان خالياً، والأبواب كلها موصدة، ولا يوجد سوى شارع جانبي واحد،
يبعد عنه عشرين متراً على الأقل، وثلاث دراجات متراصة أمام أحد مداخل
المنازل


وبلا تردد وثب أدهم فوق إحدى الدراجات الثلاث، وانطلق بها، وهو يستعيد أيام لهوه مع شقيقه أحمد في طفولتهما
ومع
المبادرة المفاجئة، توقف رجال الشرطة عن إطلاق النار لحظة، وخاصة الذين
كان ينطلق نحوهم في نهاية الشارع واستغل هو عامل المفاجأة على نحو مدهش،
ليبلغ ذلك الشارع الجانبي، ثم ينجرف فيه بدراجته، بأقصى سرعة تسمح بها
وفور انطلاقه، سحب أحد رجال الشرطة جهاز اتصاله اللاسلكي، وهتف: إنه الرفيق ديمتري.. إنه يتجه نحوك
التقط
ديمتري الاتصال، وهو يجلس داخل إحدى سيارات الأمن فتحفزت كل حواسه، وتأهب
لاستقبال أدهم عند مخرج الشارع.. ولكنه لم يكن يتوقع قط رؤيته ممتطياً
دراجة، ويندفع بها في مهارة مدهشة من الشارع، ثم ينحرف إلى الطريق
الرئيسي، ثم ينحرف مبتعداً
وبحركة تلقائية، أطلق ديمتري رصاصتين خلفه، قبل أن يصرخ: الحقوا به
ومع صرخته انطلقت سيارته، مع سيارتين أخريين، يطاردون أدهم
وكانت أعجب مطاردة شهدتها موسكو في تاريخها كله
مطاردة بين ثلاث سيارات أمن قوية
ودرّاجة..
*******
يـ تـ بـ ـع..
-د.نبيـل فـاروق

_________________



...


إن إحتجت أي مساعدة يا زائر
قم بمراسلتي فورا ً
هذه رسالة تظهر لكل عضو بإسمه
e-mail: MajedRayan87 [at] yahoo [dot] com


israel

avatar
MajedRayan
Admin
Admin

عدد الرسائل : 2548
العمر : 29
الموقع : http://www.majedrayan.co.cc
العمل : IT Junior
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : القاهرة
تاريخ التسجيل : 04/05/2008

http://www.majedrayan.co.cc

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجزء السادس والأخير

مُساهمة من طرف MajedRayan في السبت أغسطس 23, 2008 2:56 pm


الجزء السادس والأخير: الأسطـورة


على
الرغم من محنتة، لم يستطع صبري إخفاء دهشته وإعجابه، وهو يقلب أوراق قدري
الزائفة بين يديه، قبل أن يسأل السفير: أأخبركَ بأنه صنعها بنفسه؟
أومأ السفير برأسه إيجاباً، وهو يقول: هذا أدهشني أيضاً، فهي متقنة للغاية
هز صبري رأسه، وقال: ليست متقنة فحسب، إنها تحفة، ولولا أن السوفيت في ظروف الطوارئ، سيراجعون الأرقام مع سجلاتهم، لما أمكن كشفها قط
تمتم السفير: هذا صحيح
ثم جلس خلف مكتبه، وهو يسأل: ماذا سنفعل به؟
صمت صبري بضع لحظات مفكراً، قبل أن يسأله: أمازلت تحتفظ به؟
أومأ
السفير برأسه إيجاباً، وقال: لا يمكننا التخلي عنه، في مثل هذه الظروف..
إنه مواطن مصري، وفور إعادته إلى مصر سأعمل على تسليمه للسلطات
غرق صبري في التفكير، وهو يقول في شرود: أو ربما نمنحه عفواً شاملاً
هتف السفير مستنكراً: عفواً؟
لوح صبري بالأوراق قائلاً: لا يمكنك أن تخسر موهبة كهذه
مرة أخرى استنكر السفير: موهبة؟!.. إنه مجرد مزور ومحتال
أجابه صبري: هذا لا يمنع أنه موهوب
حدق السفير فيه بضع لحظات، ثم لم يلبث أن هز رأسه، متمتماً: في بعض الاحيان لا يمكننى فهمك
غمغم صبري: لا تجعل هذا يدهشك
ثم تراجع في مقعده، وهو مازال يلوح بالأوراق الزائفة، وقد شعر بأن القدر قد ساق إليه قدري في تلك اللحظات بالذات، لهدف ما
هدف مازال غامضاً..
للغاية..
*******
من المؤكد أنها كانت أعجب مطاردة، شهدتها العاصمة موسكو في تاريخها كله
ربما لم تكن بعنف مطاردات سابقة أو لاحقة إلا أنها كانت مختلفة.. مختلفة للغاية
كانت مطاردة شرسة، بين ثلاث سيارات أمن قوية
وشاب يمتطي دراجة
ولكن كل من أسعده الحظ برؤية تلك المطاردة، يمكن أن يقسم أن ذلك الشاب، بغض النظر عن هويته، لم يكن شاباً عادياً
لقد بدا أشبه بشيطان صغير
شيطان
لا يقود دراجته بمهارة مدهشة، ويحفظ توازنها على الأرض بقدرة مستحيلة
فحسب، وإنما يناور السيارات الثلاث، ويفلت منها بجرأة لا مثيل لها أيضاً
فمع
بدء المطاردة، كان أدهم الشاب ينطلق في خط مستقيم، لذا فقد لحقت به
السيارات الثلاث في سرعة، وكاد ديمتري يصدمه بسيارته، عندما انحرف أدهم في
سرعة ومهارة، على نحو مباغت، ووثب بدراجته فوق الإفريز، وانطلق بها وسط
المارة، الذين أصابهم الذعر، فأفسحوا المجال
وديمتري يهتف في سيارته في غضب: ياللشيطان
حاول
أن يلحق به إلا أن أعمدة الإنارة كانت تمنعه من هذا فاكتفى بالانطلاق في
محاذاته، وهو يهتف بإحدى السيارتين الأخريين، عبر اللاسلكي: تقدم واقطع
الطريق عليه
زادت السيارة من سرعتها، لتسبق أدهم عند نهاية الطريق، في
حين أخرج ديمتري مسدسه، وصوبه نحو أدهم في إحكام، مغمغماً في بغض: فلنترك
هويتك لما بعد أيها الصبي
قالها، وأطلق رصاص مسدسه نحو الهدف
مباشرة..


*******
شعر
قدري الشاب بارتباك شديد، وهو يقف أمام عيني صبري الفاحصتين واللتين
تفحصتا كل سنتيمتر منه، قبل أن يسأله هذا الأخير في هدوء، حمل نبرة صارمة
مخيفة: من أنت بالضبط؟
خفض قدري عينيه بضع لحظات، قبل أن يجيب في خفوت: يمكنك أن تقول إنني فنان
سأله صبري فوراً: في أي مجال؟
تردد
قدري على نحو ملحوظ، قبل أن يجيب: منذ طفولتي وجدت في نفسي المقدرة على
تقليد كل ما يقع في يدي، ومع نموي، رحت أراعي التفاصيل أكثر حتى بت اليوم
قادراً على تقليد أي شيء بأدق التفاصيل
سأله في اهتمام: أهذا ما دفعك إلى الفرار من مصر؟
انتفض قدري هاتفاً، فيما يشبه الفزع: أنا لم أفر من مصر
سأله في صبر: لماذا أنت هنا إذن؟
أجابه قدري في سرعة: لقد أتيت لدراسة فن المنمنمات.. إنه فن التفاصيل الدقيقة للغاية والذي لم تدخل مصر مضماره بعد
مال صبري نحوه، متسائلاً: أتعني أن أوراقك كلها سليمة، في هذا الشأن
أجابه في حماس: بالتأكيد
لوح صبري بالأوراق، وهو يسأله في صرامة: لماذا تسير بأوراق زائفة إذن؟
تردد
قدري طويلاً، في شيء من الخزي هذه المرة قبل أن يجيب وهو يعود لخفض عينيه
أرضاً: المواطنون هنا يحصلون على امتيازات عديدة.. أسعار مخفضة، سلع
خدمية، وأخرى لا يحصل عليها سواهم.. بل هناك بضع خدمات مجانية أيضاً..
ولما كان ما يرسله أبواي أقل مما يكفيني للعيش والدراسة كأجنبي آخر
قاطعه صبري: لا بأس.. لقد فهمت
بدا صوت قدري أقرب إلى البكاء، وهو يقول: كل ما أردته هو دراسة فن المنمنمات
تطلع
إليه صبري لحظات في صمت، ثم سأله: سؤالان أخيران يا قدري.. لماذا لم تحمل
أوراقك السليمة معك؟ وكيف تقنع السوفيت بأنك واحد منهم؟
كان يدرك بحكم
خبرته أن هذا أمر بالغ الصعوبة، نظرا لانغلاق الشعب الروسي وقوة وسطوة
أجهزة أمنه، لذا فقد كان الجواب يهمه بشدة, كرجل مخابرات، مما جعله يرهف
سمعه، وقدري يجيب: الأمن يصاب بالهوس أحياناً، ويقوم بتفتيش عشوائي للبعض،
في مناطق عشوائية، ولو عثروا على الأوراق المصرية والسوفيتية معي فسيكون
هذا دليل إدانة واضحا ولو أنك راجعت كل ما لديك من أوراق فستجد أنني أوضحت
فيها أنني رجل أبكم أتلقى علاجاً منتظماً، ولما كنت أجيد الروسية
مرة أخرى، قاطعه صبري مغمغماً: مدهش
رفع قدري عينيه إليه في دهشة، فتراجع صبري في مقعده، قائلاً: إذن فالقدر هو الذي ساقك إلينا الآن يا قدري
لم يفهم قدري ما يعنيه، لذا فهو لم ينبس ببنت شفة..
على الإطلاق..
*******
رجل
المخابرات السوفيتي ديمتري يجيد التصويب إلى حد كبير، لذا، فعندما صوب
مسدسه نحو أدهم من هذه المسافة القريبة، كان واثقاً تماماً من إصابته،
ولذا لم يتردد، وأطلق النار
وهنا تدخل القدر
ففي نفس اللحظة التي ضغط فيها زناد مسدسه، ضغط قائد سيارته فراملها بغتة، لتفادي الاصطدام بسيارة أمامه
ومع
انخفاض السرعة المفاجئ، طاشت الرصاصة، لتصيب الجدار، خلف رأس أدهم مباشرة،
مما دفع هذا الأخير إلى الانطلاق في خط متعرج وسط المارة وديمتري يصرخ في
سائقه: أيها الغبي الحقير
ثم التفت إلى مساعده في المقعد الخلفي وهتف به: البندقية ذات المنظار.. استخدم البندقية
كان
مساعده قناصاً قديماً محترفاً، لذ فلم يكد يسمع الأمر حتى جذب البندقية من
جواره، وأسندها إلى كتفه، وصوبها نحو أدهم على الرغم من حركته الملتوية
كان
قد بلغ نهاية الإفريز، عندما شاهد سيارة الأمن الثانية تعترض طريقه وخلفها
صف طويل من الدراجات، وفي اللحظة نفسها كانت مؤخرة رأسه تملأ عدسة منظار
البندقية، والمساعد يغمغم: وداعاً أيها الصبي
وكان هذا يعني أنه لم يعد هناك مفر
أي مفر
*******
فجأة ألقى أدهم الشاب ثقله إلى مؤخرة دراجته، ورفع عجلتها الأمامية بحركة بارعة، وواصل انطلاقته بها على عجلتها الخلفية فقط
تلك
المبادرة المباغتة أطاشت رصاصة القناص، التي عبرت بين ذراعه وجانبه،
وواصلت طريقها، لترتطم بالزجاج الأمامي لسيارة الأمن الثانية، مما أثار
هلع وذعر ركابها
وقبل أن يفيقوا من انفعالهم وثب أدهم بدراجته على
مقدمة سياراتهم، ومنها إلى سقفها، ثم إلى مؤخرتها، قبل أن يثب بها نحو
السيارة التالية، ويواصل انطلاقه فوق السيارات، المتوقفة في صف طويل
وبكل ثورته صرخ ديمتري هذه المرة في رجاله: ماذا أصابكم؟!.. إنه مجرد صبي!!! هل تعجزون كلكم عن اللحاق بصبي واحد؟


همهم مساعده في حنق: ليس صبياً.. إنه شيطان
استدار إليه ديمتري في غضب: لا وجود للشيطان
احتقن وجه مساعده، وغمغم في سرعة وارتباك: أعني أنه أشبه ما يصفون به الشيطان، في الكتب البدائية
رمقه
ديمتري بنظرة صارمة، وسيارتهم تنجرف خلف أدهم في سرعة كبيرة، إلى حي
السفارات، الذي بلغه هذا الأخير، وأصبح ينطلق عبره بدراجته في سرعة كبيرة
كانت السيارتان المتبقيتان تقتربان منه في سرعة، وهو يقود دراجته أسرع
وأسرع..
وأسرع..
ولكن السيارات واصلت اقترابها بسرعة مخيفة
ولوهلة،
تصور ديمتري أن الأمر قد انحسم، وأن المطاردة المرهقة ستضع أوزارها حتماً،
في هذا الحي الهادئ الخالي الذي يمتد لمسافة قصيرة للغاية.. ولكن فجأة،
انحرف أدهم بالدراجة، في حركة حادة، ليثب فوق الإفريز، وينطلق بها نحو
فراغ ضيق للغاية، بين مبنيين
وهنا وبمنتهى الغضب والسخط، صرخ ديمتري في ركاب السيارة الثانية عبر اللاسلكي: ابقوا هنا، وسنلحق به عند الطرف الآخر
كان مضطراً للدوران بسيارته حول المبنى كله، لبلوغ الطرف الآخر من ذلك الممر الضيق، مما أضاع نصف دقيقة كاملة
وكانت ثلاثين ثانية ثمينة للغاية
فعندما بلغت سيارته الطرف الآخر للممر، كانت دراجة أدهم ملقاة هناك، أما هو فلم يكن له أثر
أدنى أثر
وبكل
ضيق الدنيا غادر ديمتري سيارته، وهو يحمل مسدسه وتلفت حوله في عصبية، وقبل
أن يصرخ في ثورة: ابحثوا عنه.. حاصروا المنطقة كلها.. فتشوا كل مبنى غير
دبلوماسي.. افعلوا أي شيء.. أريده بأي ثمن.. هل تسمعون بأي ثمن
عض شفته السفلى، حتى كاد يدميها، قبل أن يغمغم في حنق بلا حدود: سنلتقي مرة أخرى أيها الصبي.. أقسم لك إننا سنلتقي
لم يدرِ لحظتها كم كانت عبارته صادقة
لم يدرِ قط

*******
حدق السفير في وجه صبري في دهشة، وهو يقول مستنكراً: أي قول هذا بالضبط؟
أجابه
صبري في حزم: القول العقلي والمنطقي يا سيادة السفير.. قدري خامة ممتازة
وموهبة لا يمكن التغاضي عنها، وإما أن نظفر نحن به،أو يظفر به غيرنا
هتف السفير: هذا لا يبرر ضمه إلى المخابرات
هز صبري رأسه مجيباً: على العكس... موهبته ستساعد كثيراً، في تطوير القسم الفني، ووجوده بين صفوفنا سيمنحنا مزية كبيرة
وصمت لحظة قبل أن يضيف: ثم إننا بحاجة إليه الآن بالفعل
انتفض السفير، وهو يسأله مستنكراً: في حاجة إليه؟! كيف..؟
أجابه
في سرعة: بعد مواجهة أدهم مع رجال الأمن هنا، على هذا النحو السافر، سيصبح
خروجه من الاتحاد السوفيتي أمرا صعبا للغاية، إذ ستملأ صورته الطرقات
والمحال العامة، والمطار بالتحديد، لذا فأول ما ينبغي أن نفعله، لإخراجه
من هنا هو تبديل هيئته
غمغم السفير في عصبية: هذا ليس بالأمر السهل
ابتسم صبري وقال: يتصادف أن أدهم يتقن فن التنكر إلى حد مدهش، ويتصادف أيضاً أنني أحمل في حافظتي عدة صور له، في هيئات مختلفة
مال
السفير إلى الأمام، وهو يقول في عصبية: هذا قد يساعدنا على استخراج جواز
سفر جديد له، بهيئتة التي تتحدث عنها، ولكن ماذا عن تأشيرات دخول الاتحاد
السوفيتي
أشار صبري بيده قائلاً: هنا يأتي دور قدري
فهم السفير ما
يعنيه صبري فتراجع في عصبية، قبل أن يقول في شيء من الحدة: ألا ترى أن هذا
حديث سابق لأوانه؟!.. أنسيت أن ابنك لم ينجح في المواجهة، ولم يعد بعد
لم يكد ينطق عبارته، حتى انفتح باب حجرته، وظهر على عتبته أدهم وإلإرهاق محفور على ملامحه، وهو يغمغم: معذرة يا أبي.. لقد أخطأت
*******
لأ أحد في الدنيا يمكن أن يشرح مشاعر صبري في تلك اللحظة، وهو يستدير في لهفة، وينظر إلى ابنه
كانت مزيجاً مدهشاً، من الفرح، واللهفة، والارتياح، والسعادة، والفخر والإعجاب
ومن
أعمق أعماقه، تمنى لو يندفع وحده، ويحتويه بين ذراعيه، ويغمره بالقبلات،
إلا أنه استنفر كل رجل المخابرات في أعماقه، ليتماسك بقوة، ويسيطر على
مشاعره وصوته، وهو يسأله: كيف كانت رحلتك الميدانية الأولى؟
أجابه أدهم بزفرة طويلة، أعقبها قوله: مرهقة
نقل السفير بصره بينهما في دهشة، قبل أن يهتف بـأدهم: كيف دخلت إلى هنا؟
أجابه أدهم محاولاً تهدئته: معذرة يا سيادة السفير، كان ينبغي أن أطرق الباب أولاً، و
قاطعه السفير في حدة: كيف دخلت السفارة؟
أجابه في سرعة: اطمئن.. لم يشعر أحد بدخولي قط
هتف السفير: حتى رجال الأمن؟
تردد أدهم لحظة قبل أن يجيب: ليس ذنبهم.. لقد تدربت على هذا
هب السفير من مقعده، واندفع خارجاً، وهو يهتف في حنق: وهذا يعني أنهم يستحقون العقاب
ابتسم صبري واقترب من ابنه، وربت على كتفه في فخر، وقد أدرك، في هذه اللحظة فقط، أن حلم عمره قد تحقق
على أكمل وجه
*******


قضم
قدري قضمة كبيرة، من الشطيرة الساخنة في يده، وهو يناول أدهم جواز سفر
جديد، قائلاً: تفضل يا صديقي كل شيء يبدو طبيعياً.. أتعشم أن تنجح في خداع
السوفيت
ألقى أدهم نظرة على عمله المتقن، وقال: أنا واثق من أنها ستفعل
ربت صبري على كتف ابنه، وقال مبتسماً: طائرتك ستقلع بعد ساعتين من الآن، وهذا يعني حتمية ذهابك إلى المطار فوراً
أومأ
أدهم برأسه إيجاباً، والتفت إلى قدري يصافحه، قائلاً: أشكرك يا صديقي..
أتمنى أن نلتقي مرة أخرى في المستقبل، لأعبر لك عن امتناني بما فعلت
ابتسم صبري، وربت عليهما معاً، قائلاً: اطمئن.. لو سارت الأمور كما أخطط لها، فستلتقيان كثيراً في المستقبل إن شاء الله
كانت كلماته أشبه بنبوءة
نبوءة تنهي الفصل الأول من أسطورة طويلة خالدة
أسطورة ستحمل اسماً فريداً، وسط أساطير التاريخ
اسم رجل المستحيل
*******
-تـمـت بحمد الله-
-د.نبيـل فـاروق


_________________



...


إن إحتجت أي مساعدة يا زائر
قم بمراسلتي فورا ً
هذه رسالة تظهر لكل عضو بإسمه
e-mail: MajedRayan87 [at] yahoo [dot] com


israel

avatar
MajedRayan
Admin
Admin

عدد الرسائل : 2548
العمر : 29
الموقع : http://www.majedrayan.co.cc
العمل : IT Junior
العمل أو الفرقة : خريج الكلية
مكان الإقامة : القاهرة
تاريخ التسجيل : 04/05/2008

http://www.majedrayan.co.cc

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى